في الهند.. الدولار أهم من الذهب

في ظل تصاعد الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، تتجه الهند إلى إعادة ترتيب أولوياتها الاقتصادية بشكل واضح لصالح الدولار، عبر تشديد القيود على واردات الذهب ورفع رسوم استيراده من 6% إلى 15%.

ويأتي هذا القرار في وقت حساس يشهد توترات جيوسياسية عالمية، خاصة في الشرق الأوسط، ما زاد من الضغوط على ميزان المدفوعات الهندي واحتياطياتها من العملات الأجنبية.

تعتمد الهند بشكل شبه كامل على استيراد الذهب، إذ لا تمتلك إنتاجاً محلياً كافياً لتلبية الطلب الداخلي المرتفع، سواء لأغراض الاستثمار أو للاستخدامات الثقافية مثل حفلات الزفاف والمناسبات. ويتم دفع فاتورة هذه الواردات بالدولار الأمريكي، ما يجعل الذهب أحد أهم مصادر استنزاف العملة الصعبة في البلاد.

وتشير البيانات إلى أن واردات الذهب بلغت نحو 71.98 مليار دولار خلال الفترة 2025–2026، وهو رقم قياسي يمثل ما يقارب 9–10% من إجمالي فاتورة الواردات الهندية وفق ndtv.

تأتي الخطوة الجديدة كإجراء استباقي يهدف إلى تقليل الطلب على الذهب المستورد، وبالتالي خفض خروج الدولار من الاقتصاد الهندي، فرفع الرسوم يجعل الذهب أكثر تكلفة، ما يحدّ من الاستهلاك ويخفف الضغط على الاحتياطيات الأجنبية.

وتشير تقديرات اقتصادية إلى أن خفض واردات الذهب بنسبة 30–40% قد يوفر ما بين 20 إلى 25 مليار دولار سنوياً، وهو ما يمثل دعماً مهماً لاستقرار العملة المحلية.

كما تسعى الحكومة من خلال هذه السياسة إلى إعادة توجيه السوق نحو بدائل أقل استنزافاً للنقد الأجنبي، مثل إعادة تدوير الذهب القديم والمحفزات الصناعية المحتوية على معادن ثمينة، حيث تم تخفيض الرسوم على هذه الفئات لتحفيز الاقتصاد الدائري بدل الاعتماد على الاستيراد الجديد.

كان للقرار آثار مباشرة على السوق المحلية، فقد ارتفعت أسعار الذهب فور إعلان الرسوم الجديدة، وانعكس ذلك سريعاً على أسعار المجوهرات في التجزئة، كما شهدت البورصات السلعية ارتفاعاً يتجاوز 6% في أسعار الذهب والفضة، ما زاد من كلفة الشراء على المستهلكين.

أما من الناحية الاقتصادية فتسعى الهند عبر هذه الخطوة إلى تقليل عجز الحساب الجاري ودعم الروبية، خاصة مع ارتفاع واردات النفط التي تشكل العبء الأكبر على الميزان التجاري، كما تأمل الحكومة أن يؤدي ارتفاع أسعار الذهب إلى تقليل الادخار في المعدن النفيس وتحفيز التحول نحو أدوات استثمارية أخرى مثل صناديق الذهب المتداولة.

مع ذلك، هناك مخاوف من تداعيات غير مباشرة، أبرزها احتمال تنشيط السوق السوداء وعودة عمليات التهريب عبر الحدود إذا اتسعت الفجوة بين الأسعار الرسمية وتكاليف الاستيراد.

كما يحذر تجار الذهب من تراجع الطلب وارتفاع الضغوط على قطاع المجوهرات الذي يعتمد على المبيعات الموسمية والثقافية.

تعكس هذه الخطوة توجهاً واضحاً من الحكومة الهندية نحو تقليص الاعتماد على الذهب كملاذ استثماري شعبي، وتحويله من محرك استهلاك ضخم للعملة الأجنبية إلى قطاع أكثر ضبطاً وتنظيماً يخدم أهداف الاستقرار الاقتصادي.