لا بشر على كرسي المدير.. ديلاوير تختبر شركات يقودها الذكاء الاصطناعي بالكامل

تتجه ولاية ديلاوير الأمريكية نحو اختبار نموذج جديد لإدارة الشركات، يسمح لوكلاء الذكاء الاصطناعي بتولي العمليات التجارية واتخاذ القرارات اليومية دون وجود شخص على رأس الإدارة، في خطوة تثير تساؤلات بشأن المسؤولية القانونية عن الأضرار التي قد تتسبب فيها الأنظمة المستقلة.

وكشف موقع «آرس تكنيكا» التقني، أن النائب الأمريكي جيمس كومر، رئيس لجنة الرقابة والإصلاح الحكومي في مجلس النواب، وجّه رسالة إلى حاكم ولاية ديلاوير مات ماير، أعرب فيها عن مخاوفه من أن يؤدي المقترح إلى حماية المستثمرين وأصحاب الشركات من المسؤولية عن الأفعال الضارة التي قد يرتكبها الذكاء الاصطناعي.

وطلب كومر الحصول على وثائق تتعلق بتطوير المقترح والمخاطر المحتملة المرتبطة بسلامة الذكاء الاصطناعي، محذراً من إمكانية استغلال الهيكل القانوني الجديد لتجنب المساءلة. كما أشار إلى أن التحقيق قد يسهم في إعداد مقترحات تشريعية اتحادية تحد من المبادرات التنظيمية التي تتبناها الولايات في مجال الذكاء الاصطناعي.

شركات يديرها الذكاء الاصطناعي

يقوم المقترح على إنشاء نوع جديد من الكيانات القانونية يُعرف باسم «شركة الذكاء الاصطناعي» (AIC)، بحيث يتولى وكيل ذكاء اصطناعي إدارة الأعمال والشؤون اليومية للشركة، بدلاً من الاعتماد على مدير بشري.

ووفقاً لمسودة التشريع التي تناولها التقرير، يمكن لهذه الشركات ممارسة معظم الأنشطة التجارية القانونية، سواء كانت هادفة إلى الربح أم لا، باستثناء الأعمال المصرفية، وقد تشمل أنشطتها تقديم خدمات البرمجة، وإبرام العقود، ودفع مستحقات الموردين، وإدارة الممتلكات، بل ورفع الدعاوى القضائية والدفاع عنها.

ويتيح المقترح للشركة امتلاك شخصية قانونية مستقلة، بما يسمح لها بتحمل الالتزامات وإجراء المعاملات باسمها، وفي المقابل، يمكن أن يكون لها عضو واحد، سواء كان فرداً أو كياناً، يتولى تمويلها والاستفادة من أرباحها، دون أن يكون مسؤولاً بصورة تلقائية عن جميع تصرفاتها.

ويستهدف هذا النموذج إنشاء إطار قانوني يسمح للأنظمة المستقلة بممارسة الأنشطة التجارية، مع الاحتفاظ بسجلات لعملياتها وتحديد المسؤوليات في الحالات التي ينص عليها القانون.

هل يستطيع المالك تجنب المسؤولية؟

تتمثل أبرز نقاط الخلاف في حدود المسؤولية القانونية التي يتحملها الشخص أو الجهة التي تمول الشركة. وتنص المسودة، بحسب التقرير، على أن العضو لا يتحمل المسؤولية عن الأفعال أو حالات الامتناع عن الفعل الصادرة عن الشركة التي يديرها الذكاء الاصطناعي، مع وجود استثناءات تتعلق بالاحتيال أو الانتهاكات المتعمدة للقانون، فضلاً عن حالات محددة ترتبط بعلم العضو بمخالفة الشركة لأغراضها القانونية.

ويرى كومر أن هذه الصيغة قد تخلق ثغرة تتيح للمستثمرين الاستفادة من أرباح الشركات، بينما تتحمل الأطراف المتضررة صعوبات إضافية عند محاولة تحديد المسؤول عن قرارات الذكاء الاصطناعي.

وتتركز المخاوف على احتمال أن تتخذ الأنظمة المستقلة قرارات تضر بالمستهلكين أو الشركاء التجاريين أو الجمهور، من دون أن تكون هناك آلية واضحة لمحاسبة الأشخاص الذين صمموا هذه الأنظمة أو موّلوها أو استفادوا من نشاطها.

في المقابل، يدافع مؤيدو المشروع عن فكرة إنشاء كيان قانوني مستقل يمكن إخضاعه للقواعد التنظيمية، مع الاحتفاظ بسجلات قابلة للمراجعة وربط المسؤولية برأس المال والقدرة على التدخل عند الضرورة.

بيئة تجريبية لمدة 30 شهراً

تتضمن الخطة المقترحة إنشاء بيئة تجريبية تنظيمية لمدة 30 شهراً، تتيح اختبار الشركات التي يديرها الذكاء الاصطناعي تحت إشراف الجهات المختصة، قبل اتخاذ قرار بشأن الإطار القانوني الدائم الذي قد يحكم عملها.

ووفقاً لما أوردته وزيرة خارجية ولاية ديلاوير شاروني باتيباندا-سانشيز في مقال رأي نشرته مجلة «فورتشن» في يوليو 2026، فإن الهدف يتمثل في وضع قواعد تتيح للأنظمة المستقلة العمل ضمن بيئة قانونية واضحة، بدلاً من ترك التطور التقني يتقدم خارج الأطر التنظيمية.

وشاركت باتيباندا-سانشيز في تطوير الفكرة بالتعاون مع شركة «نورم آي»، التي تعمل على تطوير وكلاء ذكاء اصطناعي مخصصين لإدارة الشركات. ويهدف الاختبار المقترح إلى جمع بيانات عملية تساعد المشرعين على تقييم المخاطر والفرص، وتحديد الضوابط اللازمة قبل إقرار تشريع شامل.

وكان الحاكم مات ماير قد أبدى تأييده للفكرة في أبريل 2026، بعد نقاش بشأن إمكان توظيف وكلاء الذكاء الاصطناعي في تأسيس الشركات وإدارة أنشطتها، كما سبق أن وقّع في يوليو 2025 قراراً لإنشاء إطار تجريبي لاختبار تطبيقات الذكاء الاصطناعي الفاعل في مجالات تشمل حوكمة الشركات والرعاية الصحية والتكنولوجيا الحيوية والخدمات المالية.

لماذا اختيرت ولاية ديلاوير؟

تكتسب الخطة أهمية خاصة لأن ديلاوير تُعد من أبرز الولايات الأمريكية في تأسيس الشركات، إذ تستقطب عدداً كبيراً من المؤسسات بفضل إطارها القانوني المتخصص في شؤون الشركات وبيئتها الملائمة للأعمال.

وذكر التقرير أن نحو ثلثي شركات قائمة «فورتشن 500» مسجلة في الولاية، كما أُنشئ فيها 334 ألفاً و461 كياناً جديداً خلال عام 2025، وفقاً للأرقام التي استشهدت بها باتيباندا-سانشيز.

وتأمل الولاية أن يتيح النموذج الجديد استقطاب شركات إضافية وزيادة إيراداتها من رسوم التأسيس والأنشطة المرتبطة بها، خصوصاً مع توسع استخدام وكلاء الذكاء الاصطناعي في تنفيذ المهام التجارية.

لكن نجاح التجربة سيعتمد على قدرتها على التوفيق بين تشجيع الابتكار ومنع استخدام الشخصية القانونية المستقلة للشركات وسيلة للتهرب من المسؤولية.

مؤيدو الفكرة يرون أن الاعتراف القانوني بالشركات التي يديرها الذكاء الاصطناعي قد يتيح مراقبة أنشطتها بصورة أفضل، بينما يحذر المعارضون من أن الفصل بين المستثمرين والقرارات التي تتخذها الأنظمة المستقلة قد يخلق فجوات في المساءلة. ولا يزال المقترح في مرحلة التطوير، ولم يتحول بعد إلى قانون نافذ يسمح للشركات بالعمل وفق هذا النموذج على نطاق عام.