تشهد الساحة السياسية والاقتصادية في الولايات المتحدة الأمريكية مرحلة دقيقة بالغة التوتر، تتداخل فيها نتائج الاستحقاقات الانتخابية التشريعية الأخيرة للتجديد النصفي وفقدان الحزب الجمهوري لسيطرة مطلقة أو تراجعات ملحوظة في غرفتي النواب والشيوخ، مع أزمات متصاعدة تحاصر رجل الأعمال الأبرز إيلون ماسك، الذي بات يواجه موجة عارمة من الانتقادات والهجوم الشرس على خلفية ارتباطاته السياسية وانخراطه المباشر في الحملات الأخيرة.
ويأتي هذا المخاض السياسي المعقد متزامناً مع صدمة اقتصادية وتجارية كبرى تلقاها الإمبراطور الصناعي لشركة تسلا، تمثلت في إعلان الشركة رسمياً عن التخلص التدريجي ووقف إنتاج مركبة الشحن الشهيرة «سايبرتروك» (Cybertruck) في مصنعها بولاية تكساس، بهدف إفساح المجال أمام التوسع في إنتاج سيارات الأجرة الذكية ذاتية القيادة «سايبركاب» (Cybercab). هذا التحول الجذري المفاجئ في استراتيجية تسلا، والذي أُعلن عنه في أعقاب هزائم انتخابية واستقطاب حاد، فتح باب التكهنات واسعاً حول ما إذا كان ماسك قد بدأ بالفعل يشهد تراجعاً مالياً وتجارياً مبكراً يعكس انعكاسات الخسائر السياسية على إمبراطوريته التجارية الواسعة.
لقد جاء قرار إنهاء خطوط إنتاج «سايبرتروك» ليؤكد عمق الإخفاقات التي واجهت هذه المركبة منذ تدشينها الفعلي بالأسواق، حيث أظهرت بيانات وتحليلات مؤسسات السوق مثل «كيللي بلو بوك» التابعة لشركة كوكس أوتوموتيف، تراجعاً حاداً ومستمراً في مبيعات الشاحنة الكهربائية في السوق الأمريكية من نحو تسعة وثلاثين ألف وحدة عام 2024 إلى ما يزيد قليلاً عن عشرين ألفاً في العام التالي، مواصلة نزيفها الحاد خلال الأشهر الأولى من العام الحالي 2026.
ولم تكن مبيعات المركبة وحدها هي عصب الأزمة، بل رافقت رحلة المركبة منذ ظهورها الأول كنموذج مستقبلي عام 2019 سلسلة طويلة من المشكلات الهندسية والعيوب المصنعية الخطيرة التي أدت إلى عمليات استدعاء متكررة شملت دواسات التسارع والألواح الخارجية المصنوعة من الفولاذ المقاوم للصدأ ومكونات المكابح، فضلاً عن ارتفاع أسعارها بشكل قياسي مقارنة بالوعود الابتدائية التي قطعها ماسك للجمهور.
وأمام هذا التعثر التجاري الملموس والضغط المالي المستمر، وجد ماسك نفسه مضطراً للالتفاف نحو قطاع الروبوتات والذكاء الاصطناعي ومركبات الأجرة المستقلة في تكساس، معتبراً أن مستقبل الشركة يعتمد كلياً على مشاريع الروبوتكس، غير أن هذا التحول المتسارع تزامن بشكل لافت مع تصاعد العاصفة السياسية الموجهة ضده وضد مشاريعه التقنية.
وفي سياق متصل، التقط الإعلام الأمريكي والدوائر السياسية في واشنطن هذه التطورات المزدوجة لتربط بشكل وثيق بين الانتكاسات الانتخابية للحزب الجمهوري في الكونغرس وتراجع الحظوة السياسية والشعبية لتيار «أمريكا أولاً» الذي قاده ماسك ورموزه بكثافة عبر منصة إكس وميادين الدعاية الرقمية والمالية. فقد ركزت وسائل الإعلام الليبرالية والصحف الكبرى مثل «واشنطن بوست» و«نيويورك تايمز» على أن تراجع أسهم شركات ماسك وتخبط خطوط الإنتاج في تكساس يمثلان انعكاساً مباشراً لحالة الرفض الشعبي والسياسي المتصاعدة للانخراط المفرط لكبار التقنيين في صياغة السياسات الحزبية والتشريعية، لا سيما بعد إخفاق الحزب الجمهوري في الاحتفاظ بالأغلبية المريحة في مجلسي النواب والشيوخ خلال انتخابات التجديد النصفي.
وأشارت التحليلات الصحفية إلى أن النبرة الهجومية الحادة التي تبناها ماسك وحلفاؤه في الترويج لمشاريع الذكاء الاصطناعي وتحويل تكساس إلى قاعدة تقنية عابرة للقيود الفيدرالية، قد ارتدت سلباً على مصداقيته التجارية، وأثارت رداً عكسياً من المشرعين الديمقراطيين والجمهوريين المعتدلين على حد سواء، والذين لوّحوا بفتح تحقيقات موسعة حول آليات ترخيص سيارات الأجرة الذكية واستغلال البنى التحتية والتنظيمية في الولاية.
من جهة أخرى، انقسمت ردود الفعل في الشارع الأمريكي ومجتمع المال والأعمال إزاء هذا التراجع المبكر لعلامة تجارية كانت إلى عهد قريب تعتبر أيقونة للابتكار المستقبلي. فبينما يرى مؤيدو إيلون ماسك أن هذه الخطوة تعبير جريء عن براغماتية اقتصادية حقيقية تهدف إلى التخلص من الأصول المتعثرة، وإعادة توجيه الموارد نحو قطاعات المستقبل الأكثر ربحية وابتكاراً مثل الذكاء الاصطناعي والقيادة الذاتية الكاملة، يذهب المحللون الماليون والتقنيون إلى أبعد من ذلك، مؤكدين أن التوقيت المتزامن لفقدان النفوذ التشريعي في الكونغرس مع تآكل حصة تسلا في سوق المركبات الكهربائية التقليدية والشاحنات ينذر بتحول هيكلي عميق قد يفقد ماسك جزءاً كبيراً من هالة الاحتكار التقني والسياسي التي راكمها لسنوات طويلة.
وبين مطرقة التدقيق التنظيمي الفيدرالي في معايير أمان سيارات «سايبركاب» وسندان الخسائر المتلاحقة في أسواق السيارات، تجد إمبراطورية ماسك نفسها أمام اختبار وجودي قاسٍ يثبت أن الطموحات التقنية المطلقة لا يمكنها بمعزل عن الاستقرار السياسي والقبول المجتمعي أن تحمي الشركات الكبرى من التراجع التجاري المبكر.



