فجّرت مؤسسة "سنشري" (The Century Foundation)، وهي إحدى أعرق المؤسسات البحثية الأمريكية المتخصصة في السياسات العامة والعدالة الاقتصادية، مفاجأة من العيار الثقيل في تقريرها الصادر مؤخراً بعنوان "فخ ديون السيارات" ؛ حيث كشفت عن عملية "تأميم للميزانيات الشخصية" تجري بصمت عبر سوق السيارات، محولةً المركبة من قاطرة للنمو إلى "مقصلة مالية" تطيح بمدخرات الأمريكيين.
ومع بلوغ ديون السيارات الأمريكية رقماً تاريخياً قدره 1.68 تريليون دولار، لم تعد الأزمة مجرد "أقساط متراكمة"، بل هي نتاج هندسة سوقية أعدمت السيارات الاقتصادية لصالح موديلات باهظة الثمن.
هذا الانفجار الرقمي الذي رصده التقرير وضع الملايين داخل "حصار ديون" يلتهم خُمس الدخل الشهري، ليحول "حلم الطريق" إلى أكبر ثقب أسود في الاقتصاد المنزلي، ويجعل من وسيلة الوصول إلى الرزق أكبر تهديد للاستقرار المعيشي في تاريخ الولايات المتحدة المعاصر.
كما كشف التقرير أن إجمالي ديون السيارات في الولايات المتحدة وصل إلى ذروة تاريخية بلغت 1.68 تريليون دولار، وهو رقم يتجاوز بمراحل ديون البطاقات الائتمانية التي توقفت عند 1.28 تريليون دولار.
وبحسب تحليل المؤسسة، فإن هذه المديونية لم تعد مجرد عبء هامشي، بل أصبحت تضاهي في خطورتها ديون الطلاب الفيدرالية، مما يعكس تحولاً جذرياً في هيكل الإنفاق الأسري؛ حيث بات ربع السكان يرزحون تحت التزامات مالية خانقة تجعل من "امتلاك وسيلة نقل" المستنزف الأول لمدخرات المواطن الأمريكي قبل المسكن أو التعليم.
فاتورة باهظة
وتعود جذور الأزمة إلى صعود جنوني في أسعار المركبات فاق كافة معدلات التضخم المسجلة منذ جائحة كوفيد-19حيث قفز متوسط سعر السيارة الجديدة بنسبة 30% ليصل إلى قرابة 50 ألف دولار.
ويرصد التقرير أن شركات السيارات ركزت بشكل متعمد على الفئات الفاخرة وسيارات الدفع الرباعي ذات الربحية العالية، مما أدى إلى اختفاء الموديلات الاقتصادية "الميسورة" من السوق تماماً.
هذا الاختفاء القسري للخيارات الرخيصة أغلق الأبواب في وجه الأسر ذات الدخل المتوسط، وأجبرها على الاقتراض بمبالغ تفوق قدرتها الشرائية الحقيقية.
تتجلى قسوة البيانات في رصد المؤسسة للقفزة الكبيرة في الأقساط الشهرية، التي ارتفعت من 506 دولارات في عام 2018 إلى نحو 700 دولار حالياً كمتوسط ثابت.
وشير التقرير إلى أن هذا الضغط يشتد خناقه على العمال الذين يضطرون لمد فترة القرض إلى 7 أو 8 سنوات في محاولة يائسة لخفض القسط الشهري؛ وهو "فخ" مالي يجبرهم على دفع فوائد مضاعفة، ويجعلهم يقضون قرابة عقد من الزمان في سداد قيمة "أصل مادي" تتآكل قيمته السوقية بسرعة البرق قبل أن ينتهوا من سداده.انقسام طبقي
كما يسلط التقرير الضوء على ملامح اقتصاد "K" المنقسم داخل سوق السيارات؛ وهو مصطلح يصف حالة اقتصادية يسير فيها المجتمع في اتجاهين متناقضين، حيث يصعد الأثرياء للأعلى بينما يهبط ذوو الدخل المحدود للأسفل تماماً كطرفي حرف (K).
ويتجلى هذا بوضوح في تراجع حصة المشترين من الطبقتين المتوسطة والفقيرة من 50% في عام 2020 إلى 37% فقط حالياً، بينما يسيطر الأثرياء الذين تتجاوز دخولهم 200 ألف دولار على نصيب الأسد من المبيعات الجديدة، مما حول السيارة من "ضرورة معيشية" إلى "امتياز طبقي".
لم تعد مخاطر هذا الحصار المالي تقتصر على تدمير السجلات الائتمانية فحسب، بل باتت تنذر بشلل تام يضرب مفاصل الحياة اليومية للأسر الأمريكية؛ فمع انفجار حالات التخلف عن السداد ووصولها إلى ذروة قياسية غير مسبوقة منذ 32 عاماً، أطل شبح "مصادرة المركبات" ليطارد الملايين في صمت.
وفي واقع يضطر فيه 75% من السكان للاعتماد كلياً على سياراتهم للوصول إلى مقار عملهم، فإن فقدان المفاتيح يعني فعلياً فقدان القدرة على كسب الرزق؛ وهو ما يحوّل تعثر القرض من مجرد معضلة بنكية جافة إلى كارثة إنسانية شاملة تقذف بالعائلات خلف أسوار العوز والفقر.
