هل يقود فشل "مفاوضات إسلام آباد " إلى صدمة جديدة في الأسواق؟

في الجسد البشري، يكفي أن يتوقف شريان حيوي للحظات حتى يبدأ التوازن بالاختلال، ومع الوقت قد تنهار المنظومة بالكامل. وفي الاقتصاد العالمي، لا يوجد شريان أكثر حساسية من مضيق هرمز؛ فإذا تعطل، لا تتوقف الإمدادات فقط، بل تمتد الصدمة إلى الأسواق، والأسعار، والعملات، وسلاسل الإمداد. اليوم، يقف هذا الشريان عند لحظة حرجة، حيث تتقاطع مع الإعلان عن فشل مسار تفاوضي  بين أمريكا وإيران انطلق في العاصمة الباكستانية إسلام آباد أمس، في مشهد يعكس مرحلة جديدة من التعقيد.

المؤشرات السياسية الأخيرة تعزز هذا الاتجاه، إذ أعلن نائب الرئيس الأمريكي جي دي فانس في تصريحات صحفية اليوم الأحد، أن إيران رفضت الشروط الأمريكية، مؤكداً أن واشنطن تغادر إسلام أباد دون التوصل إلى اتفاق، مع الإشارة إلى أن العرض الأمريكي كان نهائياً وتضمن قدراً عالياً من المرونة. هذا التصريح لا يعكس فقط تعثراً تفاوضياً، بل يشير عملياً إلى اقتراب إغلاق مسار دبلوماسي، ما يرفع احتمالات التصعيد ويعيد الأسواق إلى مربع القلق.

ورغم عدم التوصل إلى اتفاق في هذه الجولة، إلا أن طول أمد المباحثات (21 ساعة) يشير إلى حجم التفاصيل المعقدة التي تم تداولها، وسط ترقب دولي لما ستسفر عنه الأيام المقبلة وما إذا كانت هذه العودة لـ "مربع الصفر" ستؤدي إلى تصعيد جديد في المنطقة أم أن الباب سيبقى موارباً للدبلوماسية، في ظل دعوات دولية للحفاظ على الهدنة انطلقت عقب فشل المباحثات.

واليوم الأحد ، دعا وزير الخارجية الباكستاني إسحاق دار، واشنطن وطهران إلى مواصلة الالتزام باتفاق وقف إطلاق النار رغم فشل المحادثات بينهما لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط . كما دعت وزيرة الخارجية الأسترالية بيني وونغ ، إلى المحافظة على وقف إطلاق النار في الشرق الأوسط . وقالت وونغ في بيان إن "الأولوية يجب أن تكون الآن لاستمرارية وقف إطلاق النار والعودة إلى المفاوضات"، مضيفة أن "انتهاء محادثات إسلام آباد بين الولايات المتحدة وإيران من دون اتفاق هو أمر مخيّب للآمال".  

 وكانت المحادثات التي جرت في إسلام آباد أول لقاء مباشر بين الولايات المتحدة وإيران منذ أكثر من عقد من الزمان، وقد تحدد نتائج هذه المحادثات مصير وقف إطلاق النار الهش الذي يستمر أسبوعين وإعادة فتح مضيق هرمز، وهو ممر حيوي لنحو 20% ‌من إمدادات الطاقة العالمية، والذي أغلقته إيران منذ بدء الحرب. وقد تسبب هذا الصراع في ارتفاع أسعار النفط العالمية.

مع بدء المحادثات، قال الجيش الأمريكي ⁠إنه بدأ في "تهيئة الظروف" لبدء عمليات إزالة الألغام في مضيق هرمز، في خطوة ميدانية تؤكد أن التهديد لم يعد نظرياً. هذه العمليات، إلى جانب إعلان عبور سفن حربية وإنشاء ممرات آمنة للملاحة، تعكس تحولاً من مرحلة التحذير إلى مرحلة التنفيذ، حيث يتم التعامل مع المخاطر على الأرض بشكل مباشر. ورغم أن هذه التحركات تهدف إلى تأمين تدفق التجارة، فإنها في الوقت نفسه ترسل إشارة واضحة بأن المضيق أصبح ساحة عمليات محتملة، وهو ما يزيد من حساسية الأسواق.

وتزداد الصورة غموضا مع استمرار التصريحات السياسية المتشددة، حيث تعكس مواقف دونالد ترامب تقليلاً من أهمية التوصل إلى اتفاق، مع التأكيد على أن الولايات المتحدة "تنتصر بغض النظر عن نتائج المفاوضات". كما أن التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن هشاشة الهدنة والاستعداد للعودة إلى القتال، تضيف بعداً إقليمياً أوسع، ما يعني أن التوتر لم يعد محصوراً في مضيق هرمز فقط، بل يمتد إلى منظومة الصراع في المنطقة.

في هذا السياق، تبدو الأسواق أمام مرحلة إعادة تسعير شاملة للمخاطر. فقد شهدت الأيام الماضية تبايناً واضحاً في الأداء، حيث ارتفع الذهب كملاذ آمن، وتراجع النفط مؤقتاً بفعل آمال التهدئة، بينما تحسنت الأسهم وعادت العملات الرقمية للصعود مع تحسن شهية المخاطرة. إلا أن هذه التحركات كانت مبنية على توقعات بهدنة محتملة، وهو ما يتغير الآن مع تعثر المفاوضات ورفض الشروط الأمريكية.

وخلال تعاملات الجمعة، زاد الذهب في المعاملات الفورية 0.3% إلى 4778.89 دولاراً للأوقية (الأونصة) محققاً مكاسب تجاوزت 2% منذ ⁠بداية الأسبوع. وانخفضت العقود الأمريكية الآجلة للذهب تسليم يونيو 0.3% إلى 4804 دولارات. واتجه الدولار نحو انخفاض ​أسبوعي. ⁠وارتفعت الفضة في المعاملات الفورية 1.7% إلى 76.34 دولاراً للأوقية. وتراجع البلاتين 2.5 إلى 2050.99 دولاراً، وهبط البلاديوم 2.5% إلى ​1518.66 دولاراً. وانخفض سعر خام برنت من نطاق 111 دولاراً للبرميل الاثنين 7 أبريل إلى 95 دولاراً للبرميل في ختام التداولات.

مع هذه المتغيرات، من المرجح أن تتجه الأسواق نحو سيناريو أكثر تقلباً. النفط سيكون في مقدمة المتأثرين، إذ إن أي تصعيد أو تعطيل – جزئي- في مضيق هرمز قد يدفع الأسعار إلى الارتفاع. وقد يتذبذب سعر الذهب بين الصعود والانخفاض في ظل الاتجاه لتوفير السيولة حالة الاضطرابات أو البحث عن الملاذ الآمن مع استمرار الهدنة والآمال بعودة مسار المفاوضات. في حين قد تتعرض أسواق الأسهم لضغوط بيعية تأثراً بمشهد فشل المباحثات وارتفاع وتيرة الصتريحات المتشددة. أما الدولار، فمن المتوقع أن يستعيد قوته كملاذ آمن للسيولة، بينما قد تواجه العملات الرقمية موجات تذبذب حادة، حيث تتحرك بين شهية المخاطرة والخوف من عدم الاستقرار.

وهنا يبرز التساؤل المحوري: هل نحن أمام نهاية فعلية لمسار التهدئة وبداية مرحلة تصعيد مفتوح، أم أن الضغوط الحالية قد تعيد الأطراف إلى طاولة المفاوضات بشروط مختلفة؟ وهل تستطيع الإجراءات العسكرية مثل إزالة الألغام وتأمين الممرات أن تطمئن الأسواق، أم أنها ستُفسر كإشارة على عودة مناخ التصعيد؟ الواقع يشير إلى أن الأسواق ستتعامل مع المرحلة المقبلة بحذر شديد، حيث لم يعد التفاؤل قائماً على أسس قوية، بل أصبح مشروطاً بتطورات سريعة وغير مستقرة.

ومع تعثر المفاوضات، وتزايد التصريحات التي تلمح إلى غياب الاتفاق، يصبح العالم أمام معادلة دقيقة: شريان مهدد، وأسواق قلقة، واقتصاد عالمي ينتظر ما ستسفر عنه الأيام القليلة المقبلة. وفي ظل هذه المعطيات، يبدو أن التذبذب لن يكون استثناءً، بل هو القاعدة التي ستحكم الأسواق في المدى القريب.