في أعماق البحر الأحمر ترقد عشرات السيارات اليابانية الكلاسيكية وسط حطام سفينة شحن غرقت قبل نحو نصف قرن، لتتحول المنطقة إلى مقبرة بحرية نادرة تضم طرازات من تويوتا لم تعد مشاهدتها في مثل هذه الظروف أمراً مألوفاً.
وتعود القصة إلى عام 1977، عندما غرقت سفينة الشحن «بلو بيلت» بعد اصطدامها بشعاب مرجانية في منطقة الشعب السويدي قبالة الساحل السوداني، وكانت تحمل على متنها نحو 190 سيارة من إنتاج شركة «تويوتا»، وفقاً لما أورده موقع «SlashGear».
ومن بين السيارات التي ابتلعها البحر طرازات «هايلوكس» و«كورونا» و«كراون»، إلى جانب سيارات أخرى، فيما لم تظهر سجلات موثوقة تشير إلى انتشال أي منها منذ وقوع الحادث، ما يرجح بقاء الشحنة في قاع البحر حتى اليوم.
ولم تكن السفينة مجرد حطام غارق، بل تحولت لسنوات إلى واحدة من وجهات الغوص المعروفة في البحر الأحمر، إذ كان الغواصون ينزلون لاستكشاف بقايا المركبات المنتشرة حول السفينة وعلى امتداد الشعاب المرجانية، حيث تداخلت هياكل السيارات مع الحياة البحرية، وأصبحت بعض أجزائها مغطاة بالشعاب والإسفنج البحري.
وكان الموقع يوفر مشهداً غير مألوف يجمع بين بقايا الصناعة والطبيعة البحرية، فبين الهياكل المعدنية المتآكلة والإطارات وعجلات القيادة، كانت الأسماك تتحرك في محيط السيارات الغارقة، كما رُصدت أسماك المانتا العملاقة في المنطقة، وفقاً لما ذكره التقرير نقلاً عن شركة «سي وولف سفاري» المصرية المتخصصة في رحلات الغوص.
أعماق يصعب الوصول إليها
استمر حطام السفينة في جذب هواة الغوص لسنوات، لكن موقعه تغير بصورة كبيرة في عام 2013، عندما انزلق الحطام من موضعه على الشعاب المرجانية إلى أعماق أكبر، ليخرج بذلك من نطاق الغوص الترفيهي المعتاد.
ووفقاً لموقع «Dive the World» المتخصص في رحلات الغوص، كان الحطام يقع في الأصل على منحدر بحري تتناثر حوله السيارات والشاحنات، قبل أن ينزلق إلى أعماق تتجاوز الإمكانات المعتادة للغواصين الترفيهيين.
وتشير بيانات مواقع الغوص إلى أن أجزاء من الحطام تمتد إلى أعماق كبيرة تصل إلى نحو 90 متراً أو أكثر، وهو ما يجعل استكشافه مهمة شديدة الصعوبة وتتطلب خبرات وتجهيزات متخصصة.
كما يؤكد موقع شركة «كاسبيوبيا سفاري» المتخصصة في رحلات الغوص بالبحر الأحمر أن السفينة لم تعد موقعاً مسموحاً بالغوص فيه، بعد انزلاقها إلى أعماق أكبر واستقرارها في وضع غير آمن، ما أنهى عملياً فصلها كإحدى وجهات استكشاف حطام السفن في المنطقة.
مياه البحر لا تحفظ السيارات الكلاسيكية
ورغم القيمة التاريخية التي يمكن أن تمثلها هذه السيارات لهواة اقتناء الطرازات القديمة، فإن بقاءها لعقود في المياه المالحة جعل استعادتها أو ترميمها أمراً بالغ الصعوبة، فالتآكل الناتج عن الملوحة، إلى جانب تأثير الكائنات البحرية والتيارات المائية، يؤدي إلى تفكك الأجزاء المعدنية وتلف المكونات الميكانيكية والداخلية.
وبعد ما يقارب 50 عاماً على غرق السفينة، لا يتعلق الأمر بمجموعة سيارات كلاسيكية تنتظر من ينتشلها ويعيدها إلى الطرقات، بل ببقايا مركبات تحولت تدريجياً إلى جزء من البيئة البحرية المحيطة بها، وتُظهر تقارير سابقة عن الموقع أن بعض السيارات احتفظت بأجزاء يمكن التعرف إليها، مثل الإطارات وعجلات القيادة وواجهات المركبات، بينما تآكلت هياكل أخرى بصورة كبيرة.
وتشير المعلومات التاريخية عن السفينة إلى أنها كانت تحمل شحنة من سيارات تويوتا وقطع الغيار والمركبات التجارية، فيما تذكر بعض المصادر المتخصصة أرقاماً تفصيلية تختلف عن الرقم الإجمالي المتداول، إذ تشير إلى 181 سيارة وست شاحنات ومقطورات وقطع غيار، بينما تورد تقارير أخرى أن الشحنة بلغت نحو 190 مركبة.
المحيطات.. مركبات من التاريخ
لا تقتصر حوادث غرق المركبات على البحر الأحمر، فالتاريخ البحري يحمل قصصاً أخرى لسفن ابتلعت معها سيارات ومركبات ظلت في قاع البحار لعقود.
ومن أشهر هذه الحالات سفينة «تايتانيك» التي غرقت عام 1912، وكانت تحمل سيارة فرنسية من طراز «رينو تايب سي بي كوبيه دي فيل» داخل عنبر الشحن، وفقاً لما أورده التقرير.
كما تحتفظ مياه المحيط الهادئ ببقايا مركبات عسكرية من الحرب العالمية الثانية، إلى جانب حطام سفن حربية وتجارية، بعضها ظل في قاع المحيط لعقود، وأصبح شاهداً على أحداث تاريخية كبرى.
وتبقى قصة «بلو بيلت» مختلفة، لأنها لا ترتبط فقط بغرق سفينة شحن، بل بشحنة كاملة من سيارات تويوتا التي انتهى بها المطاف في أعماق البحر الأحمر، لتتحول من مركبات صُنعت للاستخدام على الطرق إلى بقايا تاريخية تستقر وسط الشعاب المرجانية والحياة البحرية.

