في مشهد يتكرر على متن الطائرات قبل الإقلاع وأثناء الهبوط، يجلس أفراد طاقم الضيافة الجوية في مقاعدهم المخصصة، بظهور مستقيمة وأقدام متلاصقة، بينما يضعون أيديهم أسفل أفخاذهم، في وضعية قد تبدو غريبة للركاب، لكنها تخفي وراءها إجراءً مهماً من إجراءات السلامة الجوية.
ولا يتعلق الأمر بمجرد وضعية جلوس أو تعليمات روتينية، بل بتدريب ذهني يُعرف باسم "المراجعة الصامتة"، يستعيد خلاله أفراد الطاقم إجراءات الطوارئ التي يتعين عليهم تنفيذها في حال تعرض الطائرة لحادث خلال مرحلتي الإقلاع والهبوط، وهما من المراحل التي تتطلب استعداداً خاصاً.
تدريب ذهني في اللحظات الحاسمة
وتقوم فكرة المراجعة الصامتة على استحضار كل فرد من أفراد الطاقم، بصورة ذهنية وسريعة، المهام الموكلة إليه وفقاً لموقعه داخل الطائرة، بما يشمل كيفية التعامل مع مخارج الطوارئ، ومواقع معدات الإنقاذ، وإجراءات الإخلاء، ووضعيات الحماية عند الاصطدام، فضلاً عن الأوامر التي يتعين توجيهها للركاب في حالات الطوارئ.
ويُجرى هذا التدريب دون قراءة تعليمات أو التحدث بصوت مسموع، إذ يستعرض المضيف الإجراءات داخل ذهنه خلال الفترة التي يقضيها مثبتاً على مقعده، استعداداً لأي تطور مفاجئ.
وتعود جذور هذه الممارسة إلى عقود مضت، حيث بدأت كجزء من برامج تدريب أطقم الضيافة الجوية، كما أدرجتها منظمة الطيران المدني الدولي (ICAO) ضمن وثائقها وإرشاداتها المتعلقة بسلامة الطيران.
لماذا تُوضع الأيدي أسفل الفخذين؟
أما وضع اليدين تحت الفخذين، فله تفسير يرتبط مباشرة بسلامة أفراد الطاقم وقدرتهم على أداء مهامهم بعد وقوع الحوادث.
فخلال التباطؤ المفاجئ أو الاصطدام، قد تتحرك الأطراف غير المثبتة بعنف بفعل القصور الذاتي، ما يعرض الذراعين للإصابة أو الاصطدام بأجزاء من هيكل الطائرة.
ومن هنا، تساعد هذه الوضعية على تثبيت الذراعين باستخدام وزن الجسم، وتقليل احتمالات تعرضهما للإصابة، بما يحافظ على قدرة المضيف على تشغيل مخارج الطوارئ والمشاركة في إخلاء الركاب عند الضرورة.
وتُعرف هذه الوضعية باسم "شبه الاستعداد للاصطدام"، وهي تختلف عن وضعية الحماية الكاملة التي يتخذها أفراد الطاقم عند وقوع حادث فعلي.
اختلاف وضعيات السلامة بين شركات الطيران
ولا تعتمد جميع شركات الطيران وضعية واحدة لتثبيت اليدين، إذ تتبع بعض الشركات الأمريكية أسلوب وضع اليدين أسفل الفخذين مع توجيه راحتيهما إلى الأعلى، بينما تتبع بعض الشركات الأوروبية وضع اليدين خلف الرأس، وفقاً لأساليب التدريب المعتمدة لديها.
وفي هذا السياق، أشارت دراسة أعدها معهد الطب المدني التابع لإدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) إلى أن وضع اليدين خلف الرأس قد يزيد الأحمال الواقعة على الرقبة في ظروف معينة، وهو ما يفسر الجدل حول اختلاف وضعيات الاستعداد بين شركات الطيران.
لماذا يواجه المضيفون الركاب أثناء الإقلاع والهبوط؟
ولا تقتصر إجراءات السلامة على وضعية الجلوس وتثبيت اليدين، بل تشمل أيضاً تصميم مقاعد أفراد الطاقم ومواقعها داخل المقصورة.
فوفقاً للوائح إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية، يجب أن تكون مقاعد المضيفين قريبة من مخارج الطوارئ، وأن تتيح لهم، قدر الإمكان، رؤية مباشرة للمنطقة التي تقع ضمن مسؤولياتهم.
ويفسر ذلك جلوس بعض أفراد الطاقم في مواجهة المقصورة، حيث يراقبون الركاب ويتابعون أي تطورات قد تستدعي تدخلاً سريعاً.
حادث كشف أهمية الاستعداد المسبق
وتبرز أهمية التدريب الذهني المسبق في حادث تعرضت له طائرة تابعة لشركة "Tower Air" في 20 ديسمبر 1995، عندما خرجت طائرة بوينغ 747 عن المدرج أثناء محاولة الإقلاع من مطار جون إف كينيدي الدولي في نيويورك.
ووفقاً لتقرير المجلس الوطني الأمريكي لسلامة النقل، كان على متن الطائرة 12 فرداً من طاقم الضيافة الجوية، لكن ثلاثة منهم فقط أطلقوا أوامر الاستعداد للاصطدام أثناء تسلسل الحادث، رغم أن إجراءات الشركة كانت تتطلب ذلك.
ورغم عدم وقوع وفيات، سلطت الواقعة الضوء على أهمية استحضار التعليمات والإجراءات مسبقاً، حتى يتمكن أفراد الطاقم من تنفيذها بسرعة في اللحظات الحرجة، بدلاً من محاولة تذكرها تحت ضغط الخطر.
إجراء موصى به وليس إلزامياً في كل مكان
ورغم أهمية "المراجعة الصامتة" في تعزيز الاستعداد للطوارئ، فإن تطبيقها لا يُعد إلزامياً بالطريقة نفسها لدى جميع شركات الطيران والجهات التنظيمية حول العالم.
فمنظمة الطيران المدني الدولي توصي بهذه الممارسة، لكن ذلك لا يعني أن جميع الدول تفرضها ضمن لوائحها المحلية، أو أن جميع الشركات تطبقها بالدرجة نفسها من الالتزام.
وفي شركات الطيران التي تأخذ هذا الإجراء بجدية، يُخصص أفراد الطاقم هذه اللحظات للتركيز الكامل على مراجعة مسؤولياتهم، بعيداً عن الأحاديث أو الأنشطة الأخرى.
ويحمل المشهد الذي قد يبدو عادياً أو غريباً لبعض الركاب، في الواقع جانباً مهماً من منظومة السلامة الجوية، فبينما يستعد المسافرون للإقلاع أو انتظار الهبوط، يكون أفراد الطاقم منشغلين بمراجعة خطوات قد تكون حاسمة في حماية الأرواح والتعامل مع الطوارئ خلال ثوانٍ معدودة.

