في واحدة من أندر القصص في عالم الحياة البرية، تواصل أنثى طائر القطرس اللايساني "ويزدوم" (Wisdom) رحلتها الاستثنائية، بعدما عادت إلى جزيرة ميدواي المرجانية في المحيط الهادئ خلال نوفمبر 2025، وهي في عمر يُقدّر بنحو 75 عاماً، لتسجل رقماً قياسياً بوصفها أقدم طائر بري معروف على مستوى العالم.
وتعود بداية قصة ويزدوم إلى عام 1956، عندما وضع عالم الأحياء الأمريكي تشاندلر روبينز حلقة معدنية صغيرة حول ساقها أثناء احتضانها إحدى البيضات في موقع التعشيش بالجزيرة، ومنذ ذلك الحين، أصبحت أنثى القطرس محور متابعة علمية استمرت قرابة 70 عاماً، لتكشف رحلتها عن معلومات مهمة بشأن أعمار الطيور وقدرتها على التكيف مع الظروف البيئية القاسية.
وحصلت ويزدوم على علامة تعريفية حمراء تحمل الرمز Z333، بعدما تسببت مياه المحيط المالحة ورمال الشعاب المرجانية في تآكل الحلقات المعدنية التي وُضعت حول ساقها على مدار السنوات، ما استدعى استبدالها عدة مرات للحفاظ على سجلها العلمي.
ويُرجّح الباحثون أن ويزدوم فقست عام 1951 على الأقل، استناداً إلى التقديرات العلمية التي اعتمدت على حقيقة أن طيور القطرس اللايسانية لا تبدأ التكاثر عادة قبل بلوغ خمس سنوات، وهو ما يعني أن عمرها قد يتجاوز 75 عاماً بالفعل.
إنجازات استثنائية في التكاثر
ولا تقتصر أهمية ويزدوم على عمرها القياسي، بل تمتد إلى قدرتها المذهلة على التكاثر وتربية الصغار في مراحل متقدمة من حياتها، إذ تشير تقديرات هيئة الأسماك والحياة البرية الأمريكية إلى أنها وضعت ما بين 30 و40 بيضة خلال حياتها، ونجحت في تربية ما لا يقل عن 30 فرخاً حتى مرحلة البلوغ.
وعادت ويزدوم إلى الجزيرة في نوفمبر 2024 ونجحت في وضع أول بيضة لها منذ أربع سنوات.
وفي 30 يناير 2025، فقست البيضة، لتسجل ويزدوم إنجازاً آخر باعتبارها أقدم طائر بري معروف ينجح في فقس فرخ، ورغم أنها لم تضع بيضة خلال موسم التكاثر 2025-2026، وفقاً لموظفي المحمية، فإنها واصلت العودة إلى موقع التعشيش.
وفاء استثنائي لموطن التعشيش
وتشتهر طيور القطرس اللايسانية بارتباطها الشديد بمواقع التعشيش، إذ تعود إلى المواقع نفسها عاماً بعد عام، وهي خاصية ساعدت الباحثين على رصد ويزدوم والتعرف عليها بسهولة دون الحاجة إلى أجهزة تتبع إلكترونية.
وتحتضن جزيرة ميدواي واحدة من أكبر مستعمرات طيور القطرس في العالم، حيث سجل العاملون في المحمية 589,623 عشاً نشطاً خلال موسم 2025-2026، وبين مئات الآلاف من الطيور المتشابهة، تظل العلامة الحمراء على ساق ويزدوم وسيلة واضحة للتعرف عليها.
وتتطلب حياة هذه الطيور رحلات طويلة بحثاً عن الغذاء، إذ يتناوب الأبوان على احتضان البيض وحماية الفراخ، بينما ينطلق أحدهما في رحلات قد تمتد لآلاف الأميال عبر شمال المحيط الهادئ قبل العودة بالطعام.
لغز علمي يفتح آفاقاً جديدة
ويرى الباحثون أن استمرار ويزدوم في الحياة والعودة إلى الجزيرة يمثل فرصة علمية نادرة لفهم آليات الشيخوخة لدى الطيور وقدرتها على البقاء في البيئات البحرية الصعبة، كما يدفع إلى إعادة النظر في الحدود المعروفة لأعمار بعض أنواع الطيور البرية.
ولا يستطيع العلماء تحديد عدد السنوات التي قد تعيشها ويزدوم مستقبلاً، أو ما إذا كانت ستعود إلى التكاثر مجدداً، مؤكدين أن حالتها استثنائية ولا تعكس متوسط العمر المتوقع لطيور القطرس اللايسانية.
وتستمر متابعة ويزدوم من خلال الرصد الميداني في جزيرة ميدواي، حيث تمثل كل مشاهدة جديدة إضافة إلى سجل علمي بدأ قبل نحو سبعة عقود، لتصبح أنثى القطرس العجوز شاهداً حياً على رحلة طويلة جمعت بين أسرار الطبيعة وجهود البحث العلمي وحماية الحياة البرية.

