3300 عام في الأعماق.. لغز الأسلحة الغارقة تحت الماء

في قاع بحيرة بركانية، ظلت أسلحة وأدوات معدنية مدفونة تحت الماء لأكثر من ثلاثة آلاف عام، قبل أن تعيدها عمليات التنقيب الأثري إلى الواجهة، فاتحةً الباب أمام تساؤلات حول المجتمع الذي تركها خلفه، والظروف التي أدت إلى استقرارها في أعماق البحيرة.

وتتمحور الاكتشافات الأخيرة حول بحيرة ميزانو، حيث عثر علماء آثار على سيف برونزي يعود إلى نحو 3300 عام، في حالة حفظ لافتة مكّنته من الاحتفاظ بحافة نصل حادة رغم مرور القرون. لكن أهمية الاكتشاف لا تقتصر على السيف، إذ ترافق العثور عليه مع مجموعة من الأسلحة والأواني والقطع المعدنية التي تلقي الضوء على مستوطنة تعود إلى العصر البرونزي.

وبحسب تقرير نشره موقع «لايف ساينس» فإن السيف يعود إلى العصر البرونزي المتأخر، وتحديدا إلى القرنين الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد، وهو ثالث سيف يُعثر عليه في البحيرة منذ بدء الأبحاث في سبعينيات القرن الماضي.

أسلحة وقطع أثرية من عالم غارق

تقع بحيرة ميزانو داخل فوهة بركان قديم، على بعد نحو 100 كيلومتر شمال غربي روما. وتخفي مياهها بقايا مستوطنة قديمة أقام سكانها منازلهم على ركائز خشبية فوق المياه، في نمط معماري عُرف باسم المساكن القائمة على الأعمدة أو الركائز.

وخلال حملة التنقيب الأخيرة، استخرج الباحثون عددًا من القطع الأثرية، شملت أواني سليمة وفؤوسا ورؤوس سهام وخناجر ورؤوس رماح ودبابيس معدنية، إضافة إلى شفرة حلاقة مصنوعة من البرونز.

وتمنح هذه المكتشفات الباحثين فرصة لفهم حياة المجتمعات التي استقرت في المنطقة قبل ظهور الحضارتين الإتروسكية والرومانية، بما في ذلك الأدوات التي استخدمتها، ومستوى مهاراتها في صناعة المعادن، وشبكات التواصل والتبادل التي ربطتها بمناطق أخرى.

مستوطنة تغيّر موقعها مع المياه

ولا يقتصر الاهتمام بالموقع على الأسلحة التي عُثر عليها، بل يمتد إلى بقايا المستوطنة التي بقيت مغمورة لقرون طويلة.

وتشير الأبحاث إلى أن المستوطنة كانت مأهولة تقريبا بين عامي 1700 و1150 قبل الميلاد. كما أسفرت حملة بحث أُجريت عام 2025 عن تحديد أكثر من 600 دعامة خشبية في قاع البحيرة، ضمن مساحة لا تمثل سوى نحو ثلث الامتداد المعروف للموقع.

وتشير اختلافات أعماق بقايا المستوطنة إلى أن السكان ربما نقلوا مساكنهم أو أعادوا بناءها مع تغير مستويات المياه بمرور الزمن. ويتيح هذا السياق دراسة العلاقة بين المجتمع القديم والبيئة المحيطة به، وفهم كيفية تشكل الموقع الذي بات اليوم أحد السجلات الأثرية المهمة للمنطقة.

من التفاصيل التي لفتت انتباه الباحثين أن السيف البرونزي عُثر عليه بالقرب من شفرة الحلاقة البرونزية، وهو تقارب قد يحمل دلالة تتجاوز المصادفة.

ففي بعض سياقات العصر البرونزي، ارتبطت الأسلحة والأدوات الشخصية بأفراد ذوي مكانة اجتماعية مرتفعة. ولهذا، يطرح الباحثون احتمال أن تكون القطعتان مرتبطتين بشخصية بارزة في المجتمع القديم، وربما بمحارب ينتمي إلى النخبة.

ومع ذلك، لا يكفي هذا التقارب لتحديد هوية صاحب السيف أو إثبات مكانته الاجتماعية على نحو قاطع. إذ يحتاج الباحثون إلى دراسة مواضع العثور على القطع والطبقات الأثرية المحيطة بها، قبل التوصل إلى تفسير أكثر حسما.

لماذا انتهت الأسلحة إلى قاع البحيرة؟

يبقى السؤال الأكثر إثارة هو سبب وجود هذه الأسلحة والأدوات المعدنية في قاع البحيرة. فهل وصلت إلى هناك نتيجة انهيار أجزاء من المستوطنة أو أحداث طبيعية، أم أن بعضها وُضع في الماء عمدا ضمن ممارسات رمزية أو طقسية؟

يشير «لايف ساينس» إلى أن إيداع الأسلحة والأشياء المعدنية في البحيرات والأنهار ظاهرة معروفة في مواقع أوروبية متعددة تعود إلى العصر البرونزي. وفي بعض الحالات، يفسر علماء الآثار هذه الممارسات باعتبارها قرابين أو إيداعات ذات دلالات دينية، كما أن بعض الأدوات كانت تُثنى أو تُتلف عمدا قبل إيداعها في الماء.

وفي حالة بحيرة ميزانو، تكتسب العلاقة المكانية بين السيف وشفرة الحلاقة أهمية خاصة، إلى جانب ملاحظة تقارب أعماق وجود القطع المعدنية في أجزاء مختلفة من الموقع. وقد تساعد هذه المؤشرات في فهم كيفية تشكل التجمع الأثري، ويدرس الباحثون أيضا طبيعة الرواسب الطينية التي احتوت القطع المعدنية، وآثار النار التي ظهرت على بعض المكتشفات. وقد تساعد هذه القرائن في إعادة بناء الظروف التي وصلت فيها الأشياء إلى مواضعها الحالية.

حتى الآن، لا تقدم المكتشفات إجابة نهائية عن سبب وجود الأسلحة في البحيرة. لكنها توسّع نطاق الأسئلة التي يستطيع علماء الآثار طرحها حول سكان المستوطنة، ومكانة الأسلحة في مجتمعهم، وطبيعة الممارسات التي ربما ارتبطت بالمياه.

وتكتسب هذه الأسئلة أهمية إضافية لأن الأسلحة البرونزية لم تكن أدوات للقتال فحسب، بل كانت أيضا رموزا للهيبة والهوية والنفوذ، في وقت كانت فيه مجتمعات وسط إيطاليا تشارك في شبكات اتصال وتبادل امتدت إلى مناطق واسعة من شبه الجزيرة الإيطالية والبحر المتوسط.

يخطط الباحثون لمواصلة دراسة الموقع خلال السنوات المقبلة، من خلال توسيع أعمال التنقيب تحت الماء، وتوثيق مواضع القطع الأثرية بدقة، والاستعانة بتقنيات حديثة لإعادة بناء توزيع المكتشفات وفهم تطور المستوطنة.