في غضون سنوات قليلة، بدأت نتائج حظر الصيد التجاري في نهر اليانغتسي الصيني تظهر بوضوح، بعدما أسهمت إجراءات حماية واسعة النطاق في زيادة الكتلة الحيوية للأسماك إلى نحو الضعف، وارتفاع تنوع أنواعها بنسبة 13%، في مؤشر مشجع على إمكانية استعادة النظم البيئية التي تضررت لعقود بفعل الصيد الجائر والتلوث والسدود.
وتكشف النتائج أن حماية الحياة البرية المائية قد تحقق تحولا ملموسا عندما تُطبق إجراءات واسعة النطاق، حتى بعد سنوات طويلة من التدهور. لكن العلماء يحذرون من أن هذا التعافي لا يعني أن النهر استعاد عافيته بالكامل، أو أن الأنواع المهددة أصبحت بمنأى عن خطر الانقراض.
نهر عانى عقودا من التدهور
يمتد نهر اليانغتسي لمسافة تقارب 6300 كيلومتر عبر الصين، من هضبة التبت إلى بحر الصين الشرقي قرب شنغهاي، ويُعد أطول أنهار آسيا. وعلى مدى عقود، شكّل مصدرًا للمياه والغذاء وسبل العيش لملايين الأشخاص، كما احتضن تنوعًا بيولوجيًا فريدًا من الأسماك والكائنات المائية.
لكن هذا النظام البيئي تعرض لضغوط متراكمة منذ خمسينيات القرن الماضي، نتيجة الصيد الجائر، وبناء السدود، والتلوث، والتعدين، وتغيير الموائل الطبيعية. ومع تراجع أعداد الأسماك، لجأ بعض الصيادين إلى وسائل مدمرة، مثل الصعق الكهربائي والسموم والمتفجرات.
وبحلول القرن الحادي والعشرين، قُدرت إنتاجية مصايد الأسماك بنحو ربع مستوياتها خلال النصف الأول من القرن العشرين، فيما اختفى ما لا يقل عن 135 نوعًا من الأسماك التي سُجل وجودها تاريخيًا في النهر.
حظر شامل للصيد لمدة 10 سنوات
في عام 2021، بدأت الصين تطبيق حظر على الصيد التجاري في حوض اليانغتسي، ضمن خطة تمتد لعشر سنوات بهدف تخفيف الضغط على الحياة المائية ومنح الأنواع المتضررة فرصة للتكاثر واستعادة أعدادها.
وجاءت الخطة واسعة النطاق؛ إذ بلغت تكلفتها أكثر من 2.74 مليار دولار، وشملت سحب نحو 111 ألف قارب من أنشطة الصيد، والتعامل مع أوضاع أكثر من 231 ألف شخص كانوا يعتمدون على الصيد مصدرًا للرزق.
ولقياس أثر هذه الإجراءات، قارن باحثون من الأكاديمية الصينية للعلوم مجتمعات الأسماك في 57 منطقة من النهر، مستخدمين بيانات جُمعت قبل الحظر بين عامي 2018 و2020، وأخرى بعد تطبيقه بين عامي 2021 و2023. ونُشرت الدراسة في مجلة Science عام 2026.
تضاعف الكتلة الحيوية للأسماك
أظهرت النتائج أن الكتلة الحيوية للأسماك في النهر تضاعفت تقريبًا بعد تطبيق الحظر، فيما ارتفع تنوع الأنواع بنسبة 13%.
وكان التعافي أكثر وضوحًا لدى الأسماك كبيرة الحجم، إذ زادت كتلتها الحيوية بأكثر من 232%، وهي نتيجة تشير إلى أن تخفيف ضغط الصيد قد يمنح الأنواع الأكبر فرصة أفضل للبقاء والنمو.
كما رصد الباحثون مؤشرات أولية على تحسن وضع أنواع مهددة، من بينها الحفش الصيني الخاص بنهر اليانغتسي وسمكة «الممص الصيني» (Chinese sucker). ومع ذلك، لا تزال هذه الأنواع نادرة، ولا تزال السدود العملاقة تعوق وصولها إلى مناطق التكاثر.
خنزير البحر النادر
لم تقتصر المؤشرات الإيجابية على الأسماك، بل شملت أيضا خنزير البحر عديم الزعنفة في اليانغتسي، وهو نوع نادر من الثدييات المائية يُعرف بملامح وجهه التي تبدو شبيهة بالابتسامة.
وتشير البيانات الواردة في الدراسة إلى ارتفاع أعداده في النهر من نحو 445 فردًا عام 2017 إلى 595 فردًا عام 2022، أي بزيادة تقارب الثلث.
ويُعد هذا التحسن علامة مشجعة على قدرة إجراءات الحماية على دعم الكائنات المائية، وإن كان لا يكفي وحده لإثبات أن جميع العوامل التي تهدد بقاء هذا النوع قد زالت.
على الرغم من النتائج البيئية الواعدة، فإن حظر الصيد أحدث تغييرا كبيرا في حياة المجتمعات التي اعتمدت عليه لأجيال. وتشير بيانات حكومية نقلها التقرير إلى أن نحو 160 ألف شخص من المتأثرين بالحظر وجدوا وظائف جديدة بحلول عام 2023، فيما شمل نظام الرعاية الاجتماعية نحو 220 ألف شخص.
وبعض الصيادين السابقين انتقلوا إلى العمل في حماية النهر ومراقبته، لكن المعلومات المستقلة عن أوضاعهم المعيشية لا تزال محدودة، بما في ذلك مدى استقرار دخولهم ومدى رضاهم عن حياتهم الجديدة.
لذلك، لا يمكن تقييم التجربة من منظور بيئي فقط؛ إذ يتطلب نجاحها طويل الأمد أيضا فهم آثارها على المجتمعات المحلية، والتأكد من توفير بدائل معيشية مستدامة للأشخاص الذين فقدوا مصادر رزقهم.
يحذر الباحثون من أن الدراسة ترصد فترة زمنية محدودة نسبيا، وأن استمرار التعافي يحتاج إلى مراقبة طويلة الأمد. فقد تتراجع المكاسب إذا استؤنف الصيد التجاري، أو استمرت الضغوط المرتبطة بتدهور الموائل، وتلوث المياه، وتجزئة النهر بفعل السدود، والتغيرات في تدفق المياه.
ومع ذلك، تقدم تجربة اليانغتسي دليلا مشجعا على أن التدخلات البيئية واسعة النطاق يمكن أن توقف تراجع التنوع البيولوجي، بل وتدعم تعافيه خلال سنوات قليلة.
ويرى الباحثون أن تجارب مشابهة قد تكون مفيدة في أنهار كبيرة أخرى، مثل الميكونغ والأمازون، شريطة تكييف إجراءات الحماية مع الظروف البيئية والاجتماعية لكل منطقة.
وتتمثل الرسالة الأبرز في تجربة اليانغتسي في أن وقف أحد مصادر الضغط الرئيسية على الطبيعة يمكن أن يفتح الباب أمام التعافي، لكنه لا يغني عن حماية الموائل، وتحسين جودة المياه، ومواصلة مراقبة الأنواع المهددة.

