رسوم عملاقة في الصحراء حيّرت العلماء.. ما سر خطوط نازكا؟

تُعدّ خطوط نازكا في بيرو من أبرز الألغاز الأثرية التي حيّرت الباحثين، إذ تمتد في الصحراء رسوم أرضية عملاقة تصوّر أشكالاً بشرية وحيوانات ونباتات وأشكالاً هندسية، يصعب إدراك تفاصيلها كاملة من سطح الأرض. وعلى الرغم من مرور نحو ألفي عام على إنشائها، إلا أن السؤال مازال قائماً، لماذا بذل شعب نازكا كل هذا الجهد لرسم هذه الأشكال الهائلة على أرض الصحراء؟

تُعرف هذه الرسوم باسم «خطوط نازكا»، وهي نقوش أرضية ضخمة تُعرف علميا باسم «الجيوغليفات»، وقد أنشأها شعب نازكا في مناطق ساحلية جافة من بيرو، خلال الفترة الممتدة تقريبًا بين عام 200 قبل الميلاد وعام 500 ميلادي. ويُقدَّر الطول الإجمالي للخطوط بأكثر من 1300 كيلومتر، فيما يصل عددها إلى الآلاف، مع استمرار اكتشاف رسوم جديدة بمساعدة تقنيات الذكاء الاصطناعي.

ورغم أن هذه الرسوم تُعد من أشهر الجيوغليفات في العالم، فإن وظيفتها الأصلية لم تُحسم حتى الآن، إذ يرى باحثون أنها ربما أدت أدوارًا مختلفة، تبعًا لأشكالها وأحجامها ومواقعها والفترات التي أُنشئت خلالها.

طرق سفر أم أماكن للتجمع؟

من بين التفسيرات المطروحة أن بعض الخطوط استُخدمت لتحديد مسارات السفر، أو الإشارة إلى طرق كانت تسلكها القوافل والمسافرون عبر الصحراء.

وتدعم دراسة نُشرت عام 2026 هذا الاحتمال، إذ لاحظ الباحثون أن بعض الرسوم الأقدم أُنشئت على سفوح التلال، وتبدو مرتبطة بمسارات عبور، كما يمكن رؤيتها من مسافات بعيدة. وربما ساعدت هذه العلامات المسافرين على تحديد الطرق ومواقع التوقف المؤقت.

لكن وظيفة هذه الرسوم قد تكون تغيرت مع مرور الزمن؛ فبحسب أحد التفسيرات، تحولت بعض المواقع لاحقًا إلى أماكن للتجمع وإقامة الولائم، ما يجعلها جزءًا من الحياة الاجتماعية للمجتمعات القديمة، وليس مجرد علامات على الأرض.

هل كانت خريطة فلكية؟

ربطت نظرية أخرى خطوط نازكا بحركة الأجرام السماوية، وافترضت أنها ربما استُخدمت لرصد الشمس والنجوم أو تحديد أوقات معينة من السنة.

بدأ هذا الاتجاه البحثي يكتسب اهتماما في أربعينيات القرن العشرين، عندما درس المؤرخ بول كوسوك الخطوط ورأى أن بعضها يتوافق مع اتجاهات فلكية. وبعده، كرّست الباحثة ماريا رايخه أكثر من 40 عاما لدراسة الرسوم، بحثًا عن صلات محتملة بينها وبين الأجرام السماوية.

لكن التحليلات الحديثة لا تدعم اعتبار الخطوط بأكملها تقويمًا فلكيًا؛ فقد وجد فريق بحثي أن عددًا محدودًا نسبيًا منها قد يتوافق مع اتجاهات نجمية أو ظواهر شمسية، مثل الانقلاب الشمسي.

ومع ذلك، لا يعني هذا استبعاد أي ارتباط فلكي. فقد أشارت أبحاث لاحقة إلى أن نحو 8% من الرسوم قد تتضمن نوعًا من الاصطفاف المرتبط بالقمر، وهو ما يبقي احتمال وجود صلة بين بعض الرسوم والأجرام السماوية قائمًا، من دون أن يفسر الغرض من المجموعة بأكملها، وفقاً لموقع "livescience".

قرابين وطقوس دينية

تظهر الأدلة الأثرية احتمالًا آخر، يتمثل في ارتباط بعض الرسوم بممارسات دينية أو طقوس تتصل بالماء والخصوبة، فقد عُثر على قرابين قرب بعض الأشكال، خصوصا الرسوم شبه المنحرفة، شملت قطعا فخارية وسرطانات وذرة وأقراطا مصنوعة من أصداف بحرية تُعرف باسم «سبونديلوس».

وتكتسب هذه الأصداف أهمية خاصة لأنها توجد عادةً في مناطق أبعد شمالًا، قرب الإكوادور، وإن كان من الممكن أن تصل إلى سواحل بيرو. ويرتبط وجودها، إلى جانب السرطانات والذرة، برموز الماء والخصوبة في بعض التفسيرات الأثرية.

وقد تكون هذه القرابين جزءا من طقوس تهدف إلى طلب المطر أو تعزيز الخصوبة، لكن الأدلة المتاحة لا تسمح بالجزم بأن هذا كان الغرض الوحيد من الرسوم.

هل سار الناس فوق الخطوط؟

يعتقد باحثون أيضا أن بعض خطوط نازكا ربما صُممت لتكون مسارات تسير عليها مجموعات من الناس خلال مواكب احتفالية.

وتناسب الخطوط المتصلة، التي تمتد من دون انقطاع، هذا الاستخدام المحتمل؛ إذ يمكن للأشخاص السير فوقها في صف واحد. وربما لم تكن أهمية هذه الممارسات دينية فحسب، بل اجتماعية أيضا، لأنها أتاحت لأفراد المجتمع المشاركة في نشاط جماعي مشترك.

ويرى بعض الباحثين أن السير على الخطوط والمشاركة في المواكب ربما أسهما في تعزيز الشعور بالانتماء والتماسك بين أفراد المجتمع، وربما أتاحا شكلا من أشكال المشاركة الجماعية الأكثر مساواة.

لغز بلا تفسير

تكمن صعوبة فهم خطوط نازكا في غياب شهادات مكتوبة أو روايات محفوظة من الأشخاص الذين أنشأوها، ما يترك الباحثين أمام أدلة أثرية وتفسيرات محتملة بدلًا من إجابة قاطعة.

كما أن اختلاف الرسوم في أحجامها وأشكالها ومواقعها يجعل من الصعب افتراض أن جميعها أُنشئت للغرض نفسه. وربما استُخدم بعضها لتحديد الطرق، بينما ارتبط بعضها الآخر بالطقوس الدينية أو التجمعات الاجتماعية أو مراقبة السماء.

وبغض النظر عن الغرض الأصلي، تكشف خطوط نازكا عن قدرة مجتمعات قديمة على تحويل واحدة من أكثر البيئات جفافًا في العالم إلى مساحة ضخمة تحمل رموزها وأفكارها وأنشطتها الاجتماعية، تاركةً وراءها لغزا لا يزال يستدعي البحث بعد مرور آلاف السنين.