قبل بناء أهرامات الجيزة بقرون وفي بدايات تشكّل الدولة المصرية القديمة، برزت امرأة استطاعت الوصول إلى قمة السلطة في واحدة من أقدم الممالك في التاريخ. إنها ميريت نيث ، الشخصية الملكية التي ظل دورها الحقيقي موضع جدل بين علماء المصريات لعقود، قبل أن تكشف دراسة حديثة أدلة جديدة ترجّح أنها حكمت مصر بصفتها ملكة.
فقد أعاد الباحثون تحليل صور أثرية قديمة لأختام ملكية باستخدام تقنيات الترميم الرقمي، وتمكنوا من إظهار نقوش هيروغليفية أكثر وضوحاً، تدعم فرضية أن ميريت نيث لم تكن مجرد وصية على العرش، بل تولّت الحكم بصفتها ملكة.
أدلة غامضة حيّرت الباحثين
لم يكن لقب «فرعون» مستخدماً في بدايات مصر القديمة، إذ كان الحكام يُعرفون بالملوك. ويُعد نارمر من أوائل حكام مصر الموحدة، قبل أكثر من خمسة آلاف عام.
أما ميريت نيث ، فكانت ابنة الملك دجر، ثالث ملوك الأسرة الأولى، لكن مكانتها السياسية ظلت محل خلاف منذ اكتشاف مقبرتها عام 1900 على يد عالم المصريات فلندرز بيتري.
ولفتت فخامة المقبرة انتباه بيتري، فاعتقد في البداية أنها تعود إلى ملك. غير أن أحد العناصر المهمة كان غائباً عن بعض الآثار المرتبطة بها، وهو رمز «السِرخ»، الذي كان يُستخدم عادةً لإحاطة اسم الملك وإبراز مكانته.
وفي عام 1946، عثر عالم المصريات والتر إيمري، خلال أعمال تنقيب في سقارة، على 13 ختماً تحمل نقوشاً ملكية مرتبطة باسمي دجر وميريت نيث . واعتبر إيمري أن هذه الأدلة كافية لمنحها مكانة ملكية، لكن باحثين آخرين شككوا في هذا الاستنتاج، خصوصاً بعد فقدان الأختام وبقاء صور قديمة منخفضة الجودة لها.
ماذا كشفت الصور القديمة؟
في الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون تقنيات الترميم الرقمي لتحسين الصور التي التقطها إيمري، ما أتاح لهم قراءة النقوش بتفاصيل أوضح. وأظهرت النتائج أن بعض رموز «السِرخ» تحمل اسم دجر، فيما تحمل أخرى اسم ميريت نيث ، وهو ما يعزز الأدلة على تمتعها بوضع ملكي.
لكن القصة لا تتوقف عند احتمال اعتلائها العرش؛ إذ تشير النقوش إلى أن دورها السياسي ربما تغيّر أكثر من مرة خلال حياتها.
فوجود اسمها إلى جانب اسم دجر قد يعني أنها شغلت منصب الحاكمة المشاركة في مرحلة من المراحل، سواء خلال حكم والدها أو بعده. كما تصف نقوش مرتبطة بمقبرة ابنها الملك دن ميريت نيث بأنها «والدة الملك الوصي»، وهو ما يرجّح أنها تولّت إدارة شؤون البلاد نيابة عنه عندما كان صغيراً.
وتشير نصوص أخرى إلى أنها مارست نفوذاً على الخزانة، ما يعكس دوراً سياسياً وإدارياً بارزاً في الدولة المصرية الناشئة.
ثلاثون عاماً في قلب السلطة
يرى مؤلفو الدراسة أن حكم النساء في مصر القديمة لم يكن أمراً شائعاً، لكنه كان خياراً مطروحاً في ظروف محددة، خصوصاً خلال الأزمات أو عندما يتولى وريث العرش الحكم في سن صغيرة.
ويعتقد الباحثون أن ميريت نيث ربما تنقلت بين أدوار سياسية مختلفة، من الوصاية على العرش إلى ممارسة الحكم بصفتها ملكة، وفقاً لتطورات المشهد السياسي في عصرها، وفقا لموقع"iflscience".
وتشير التقديرات إلى أنها بقيت في قلب السلطة نحو ثلاثين عاماً، قبل أن تُدفن في مقبرة ملكية تعكس مكانتها الاستثنائية.
لا تتوقف أهمية ميريت نيث عند احتمال تولّيها عرش مصر، بل تمتد إلى ما تكشفه قصتها عن طبيعة السلطة في المراحل الأولى من تاريخ الدولة المصرية. فالأختام والنقوش التي ارتبط اسمها بها تفتح نافذة على دور النساء داخل المؤسسة الملكية قبل ظهور الأهرامات بقرون. ويرى الباحثون أن مكانتها ربما تبدّلت بين الوصاية على العرش وممارسة الحكم، تبعاً للظروف السياسية في عصرها. ومع أن الأدلة الجديدة تعزز فرضية أنها كانت ملكة، فإن تفاصيل دورها ومدى سلطتها الفعلية لا تزال بحاجة إلى مزيد من الدراسة.
ولا تقتصر أهمية ميريت نيث على النقوش التي تحمل اسمها، بل تمتد إلى مجمعها الجنائزي في أبيدوس، الذي يضاهي في ضخامته وتجهيزاته مقابر ملوك عصرها. فقد كشفت التنقيبات عن مقتنيات ثمينة، بينها أوانٍ فرعونية قبل نحو خمسة آلاف عام، إلى جانب مدافن فرعية لأفراد من حاشيتها. وتقدم هذه الآثار صورة عن امرأة تمتعت بمكانة استثنائية في بدايات الدولة المصرية، حتى لو بقيت طبيعة سلطتها موضع خلاف.