240 رمزاً ورسالة مجهولة.. لغز عمره 4 آلاف عام يعجز العلماء عن حله

لا يزال قرص فايستوس، الذي يعود تاريخه إلى نحو 4 آلاف عام، يثير حيرة علماء الآثار واللغويين، بعدما عجزت محاولات متعاقبة عن فك رموزه الغامضة أو تحديد اللغة التي كُتب بها، ليبقى واحدا من أكثر الاكتشافات الأثرية إثارة للجدل في العالم.

وعُثر على القرص في 3 يوليو 1908، خلال أعمال التنقيب في موقع قصر فايستوس المينوي جنوب جزيرة كريت اليونانية، على يد فريق عالم الآثار الإيطالي لويجي بيرنييه، بعدما لفت انتباه رئيس العمال زاكارياس إيلياكي جسم طيني محفوظ بصورة شبه كاملة.

ويبلغ قطر القرص نحو 16 سنتيمترا، ويعود، وفق التأريخ المقترح، إلى القرن السابع عشر قبل الميلاد، وتكمن أهميته في تصميمه الفريد، إذ يحمل وجهاه قرابة 240 علامة مرتبة في نمط حلزوني، طُبعت على الطين الرطب باستخدام 45 ختما مختلفا، قبل تعريضه للنار لتثبيته.

ويثير أسلوب صناعة القرص اهتمام الباحثين على نحو خاص، إذ تشير طريقة طباعة الرموز باستخدام أختام قابلة لإعادة الاستخدام إلى تقنية غير مألوفة في ذلك العصر، وتستحضر فكرة الطباعة بالقوالب قبل ظهور المطبعة الحديثة بقرون طويلة.

رموز غامضة وفرضيات بلا حسم

تنتظم العلامات المنقوشة على القرص في مجموعات تفصل بينها خطوط، وهو ما دفع بعض الباحثين إلى الاعتقاد بأنه يمثل نظام كتابة مقطعيا، قد يعبّر فيه كل رمز عن مقطع صوتي، مع احتمال وجود علامات تحمل دلالات تصويرية.

لكن غياب أي نص آخر معروف يحمل الرموز نفسها جعل مهمة فك الشفرة أكثر تعقيدا، إذ لا يمتلك الباحثون نصوصا موازية يمكن الاستعانة بها لفهم العلامات أو تحديد اللغة المستخدمة.

وعلى مدار العقود الماضية، ظهرت تفسيرات متعددة لمحتوى القرص، فهناك من يرجّح أنه نص ديني، بينما يعتقد آخرون أنه ترنيمة أو صلاة، في حين طُرحت فرضيات أخرى تشير إلى احتمال كونه تقويما أو لعبة لوحية أو رسالة مكتوبة بلغة مفقودة.

ورغم تعدد هذه النظريات، لم يتمكن أي منها من تقديم تفسير يحظى بإجماع علمي أو يستند إلى أدلة قاطعة.

جدل حول أصالته وأدلة تعزز قدمه

لم تقتصر التساؤلات على مضمون القرص، بل امتدت إلى أصالته أيضا، ففي عام 2008، أثار المؤرخ الأمريكي جيروم أيزنبرغ جدلا بعدما طرح احتمال أن يكون عالم الآثار لويجي بيرنييه قد أمر بصناعته لمنافسة الاكتشافات البارزة التي حققها آرثر إيفانز في موقع كنوسوس.

كما أسهم غياب التأريخ باستخدام تقنية التألق الحراري، التي يمكن أن تساعد في تحديد زمن حرق القطع الطينية، في استمرار النقاش حول تاريخ القطعة.

وعززت اكتشافات لاحقة فرضية أصالة القرص، بعد العثور في منطقة فايستوس على علامات وزخارف مشابهة لبعض رموزه، ضمن قطع فخارية مختومة وأختام مينوية اكتُشفت بعد سنوات طويلة من العثور عليه.

وفي عام 2014، أعلن باحثان في اللغويات أنهما توصلا إلى تفسير للرموز باعتبارها صلاة في المعتقدات المينوية، غير أن هذا الطرح لم تدعمه أدلة حاسمة تنهي الجدل.

لغز مفتوح منذ أكثر من قرن

يظل قرص فايستوس معروضا في المتحف الأثري بمدينة هيراكليون في جزيرة كريت، شاهدا على لغز لم تنجح الأدوات البحثية الحديثة، حتى الآن، في كشف أسراره.

وبين النظريات الدينية واللغوية والاحتمالات المرتبطة بوظيفته، تبقى الأسئلة الأساسية معلقة: من صنع القرص؟ وما الرسالة التي أراد نقلها؟ وهل يحمل نصا يمكن قراءته، أم أنه يؤدي وظيفة مختلفة لم يتمكن الباحثون من تحديدها بعد؟

حتى ظهور أدلة جديدة أو العثور على نصوص مماثلة، سيظل قرص فايستوس واحدا من أكثر الألغاز الأثرية غموضا، وقطعة استثنائية تذكّر بأن بعض أسرار الحضارات القديمة لا تزال عصية على الفهم، رغم مرور آلاف السنين.