في أعماق البحر الأسود، أخفت الرمال والطمي أسرار سفينة حربية تعود إلى أكثر من ألفي عام، بناها الملك ميثريداتس السادس في زمن الصراع مع روما. ولم تكن براعة السفينة في تصميمها العسكري فحسب، بل في حيلة عبقرية اعتمدها بنّاؤوها لحماية هيكلها من الحرائق والكائنات البحرية التي تنخر الأخشاب، في دليل على تقدم تقنيات بناء السفن وصيانتها في العالم القديم.
بدأت القصة عندما عثر غواصون على بقايا السفينة مدفونة تحت طبقات من الرمال والطمي والأصداف في ميناء مدينة فاناجوريا اليونانية القديمة، الواقعة على ساحل البحر الأسود في روسيا حالياً. وظن الباحثون في البداية أنها سفينة تجارية، قبل أن يقودهم اكتشاف لافت إلى هويتها الحقيقية.
فبالقرب من مقدمتها، عثر الباحثون على كبش بحري برونزي يبلغ طوله نحو متر، ويحمل هلالاً ونجمة خماسية، وهما من الرموز الملكية لميثريداتس السادس، ملك بونتوس وأحد أبرز خصوم الجمهورية الرومانية. وقد عزز هذا الاكتشاف فرضية انتماء السفينة إلى أسطوله الحربي، لتتحول من حطام غارق إلى شاهد نادر على أسرار القوة البحرية في العصور القديمة.
وأظهرت تحليلات الكربون المشع أن أخشاب السفينة تعود إلى منتصف القرن الأول قبل الميلاد. ويبلغ طول البقايا نحو 16 متراً، فيما يصل عرضها إلى 2.7 متر. ويرجّح الباحثون أنها سفينة حربية سريعة، مزوّدة بصف واحد من المجاديف، ويُعتقد أنها غرقت خلال اضطرابات شهدتها المدينة عام 63 قبل الميلاد، عندما اندلع تمرد ضد الملك.
تقنيات ذكية لحماية السفينة
كشفت الدراسات أن بناة السفينة استخدموا مزيجاً من الطين وشعر الأغنام والخيول والماعز، إلى جانب قطع من الجلد ودهن الخنزير والريش، لتغطية الأسطح الداخلية للهيكل. كما حُشيت الفواصل بين الألواح بالصوف المطلي بالقار، ثم غُطيت بالطين للمساعدة في إحكام إغلاقها.
ويرى الباحثون أن هذه الطبقات ربما أسهمت في حماية السفينة من الحرائق، بما فيها النيران الناجمة عن الهجمات البحرية. أما السطح الخارجي، فحمل آثار طلاء أحمر مائل إلى البرتقالي، تبيّن أنه يحتوي على معدن الريالغار، الممزوج بشمع العسل وراتنج الصنوبر، في تركيبة يُرجّح أنها استُخدمت للحد من التصاق الكائنات البحرية بالخشب وحمايته من ديدان السفن التي تحفر الأخشاب المغمورة.
معادن مقاومة للتآكل
وأظهرت تحليلات أخرى أن المسامير صُنعت من النحاس وسبائكه، فيما صُنعت إحدى الصفائح من الرصاص، والكبش البحري من برونز يحتوي على الرصاص والقصدير. وتساعد مقاومة النحاس للتآكل في مياه البحر على تفسير اختيار هذه المادة في بناء السفينة وصيانتها.
كما كشفت آثار الإصلاحات المتعددة، واستخدام أخشاب من أنواع مختلفة، عن جهود متكررة للحفاظ على السفينة في حالة تشغيلية جيدة. ويشير ذلك إلى أن الأسطول الذي خدم فيه كان يعتمد على خبرات ومواد متنوعة لإطالة عمر سفنه، وفقاً لـ، "dailygalaxy".
وبعد أكثر من ألفي عام تحت الماء، كشفت السفينة عن سرّ هندسي سبق عصره؛ إذ استخدم بنّاؤوها مواد غير مألوفة لحماية أخشابها من النيران والكائنات البحرية. ولم تكن هذه الحيلة تفصيلاً عابراً، بل شاهداً على براعة صناعة السفن الحربية في العالم القديم، حين كان بقاؤها صالحة للإبحار جزءاً من قوة الممالك وقدرتها على خوض الحروب.

