كشف باحثون عن غابات ساحلية قديمة غمرتها المياه قبالة سواحل موزمبيق قبل آلاف السنين، لتتحول بمرور الزمن إلى ما يُعرف بـ"الشعاب الخثية"، وهي موائل بحرية نادرة تعج بالكائنات الحية، وتوفر بيئة مناسبة لعدد من الأنواع التي تعيش عادةً في الشعاب المرجانية.
وأظهرت دراسة أجراها باحثون من المرصد المحيطي التابع لمركز بازارتو للدراسات العلمية، بالتعاون مع مؤسسات بحثية وجامعات في المملكة المتحدة والولايات المتحدة وكندا، أن هذه التكوينات الطبيعية الواقعة في المياه الضحلة لأرخبيل بازارتو بالمحيط الهندي، تؤدي دورا بيئيا مهما رغم خلوها تماما من المرجان الحي.
ونُشرت الدراسة في مجلة Scientific Reports، وتُعد من أوائل الدراسات البيئية التي تتناول الشعاب الخثية في المناطق المدارية، مع التركيز على تنوعها البيولوجي وأهميتها للحياة البحرية.
من غابات قديمة إلى موائل بحرية
تعود نشأة هذه الشعاب إلى آلاف السنين، عندما كانت المنطقة تضم غابات ومستنقعات ساحلية، ومع ارتفاع مستوى سطح البحر، غمرت المياه تلك الأراضي، ثم أزالت الأمواج طبقات الرمال التي كانت تغطي بقاياها، لتنكشف منصات صلبة من الخث على قاع البحر.
والخث مادة عضوية تتشكل من بقايا النباتات والأشجار المتراكمة والمتحللة جزئيا، وتتميز بقدرتها على الاحتفاظ بالكربون.
وأظهر التأريخ بالكربون المشع أن أعمار هذه الرواسب تتراوح بين نحو 300 و5,000 عام، فيما كشفت التحليلات الكيميائية أن معظمها يعود إلى نباتات وأشجار ساحلية، وتحتوي بعض العينات على كربون عضوي تصل نسبته إلى 40% من وزنها الجاف.
ومع مرور الزمن، استقرت الأعشاب البحرية والطحالب فوق هذه الطبقات، بينما وفرت الشقوق والتجاويف أماكن للاختباء والتغذية لعدد كبير من الكائنات البحرية.
تنوع بيولوجي رغم غياب المرجان
درس الباحثون ثلاث شعاب خثية وشعابا مرجانية مجاورة، وقارنوا بين أنواع الأسماك واللافقاريات والكائنات البحرية الموجودة فيها.
وأظهرت النتائج أن كل موقع من مواقع الشعاب الخثية يضم ما بين 26 و36 نوعا من الأسماك الصغيرة، بمستويات من التنوع تضاهي تلك المسجلة في الشعاب المرجانية القريبة، كما رصد الفريق أسماك النهاش والغرنط، إلى جانب أسماك القرش والشفانين والسلاحف البحرية.
وتوفر الشقوق والحواف الموجودة في هذه الشعاب ملاذا للأسماك الصغيرة يساعدها على الاختباء من المفترسات، فيما تستطيع السلاحف الخضراء وأبقار البحر، المعروفة باسم الأطوم، التغذي على الأعشاب البحرية التي تنمو فوق طبقات الخث.
ورغم التشابه في تنوع الأسماك، تختلف أنواع اللافقاريات التي تستقر على قاع الشعاب الخثية عن تلك الموجودة في الشعاب المرجانية، ما يؤكد أن هذه الموائل تمثل نظاما بيئيا مميزا.
وقال الدكتور ماريو ليبراتو، المؤلف الرئيسي للدراسة وأحد مؤسسي المرصد المحيطي التابع لمركز بازارتو، إن الباحثين فوجئوا بحجم التنوع الحيوي الذي تدعمه هذه الرواسب القديمة، وبعدد الأنواع التي تنتقل بين الشعاب الخثية والمرجانية المجاورة.
وأوضح أن قاع البحر في المنطقة يتكون في معظمه من الرمال المتحركة، ما يجعل طبقات الخث الصلبة موائل نادرة تستطيع الكائنات البحرية الاستقرار فيها والاختباء والتغذي.
مخازن محتملة للكربون الأزرق
إلى جانب أهميتها البيئية، تثير الشعاب الخثية تساؤلات حول دورها في تخزين الكربون الأزرق، وهو الكربون الذي تحتجزه الأنظمة البيئية الساحلية والبحرية.
ورغم بقاء أجزاء من هذه الرواسب تحت الماء آلاف السنين، لا يزال العلماء يجهلون كمية الكربون المخزنة فيها، وما إذا كانت تواصل احتجازه أم تطلق جزءا منه إلى البيئة.
ويتطلب حسم ذلك قياس سُمك طبقات الخث وكثافتها ومخزون الكربون فيها، إلى جانب دراسة التعرية وتدفقات غازات الاحتباس الحراري.
وتواجه هذه الشعاب ظروفا متقلبة، إذ تقع على أعماق تتراوح بين مترين وأربعة أمتار، وتتأثر بالمد والجزر والعواصف والأعاصير التي قد تطمرها بالرمال أو تؤدي إلى تفتتها. كما يختفي بعضها بفعل التعرية وحركة الرمال.
ودعا الباحثون إلى إدراج الشعاب الخثية ضمن خرائط الموائل الساحلية وخطط حماية التنوع البيولوجي، وتوسيع نطاق الدراسات لتحديد مدى انتشارها وأهميتها في تخزين الكربون ودعم المصايد السمكية.
ويرجح الفريق وجود موائل مشابهة لم تُكتشف بعد في جنوب شرق آسيا والبحر الكاريبي وغرب أفريقيا.
ويؤكد الاكتشاف أن بقايا الغابات الساحلية القديمة قد تتحول إلى أنظمة بيئية نابضة بالحياة، ما يجعل دراستها وحمايتها ضرورة لفهم التنوع البيولوجي البحري وتعزيز جهود الحفاظ على السواحل، خصوصا في المناطق التي تتراجع فيها صحة الشعاب المرجانية.

