مدينة الألماس.. منازل فاخرة وكنوز أسطورية ابتلعتها صحراء أفريقيا

في قلب صحراء ناميب بجنوب ناميبيا، تقف مدينة كولمانسكوب شاهدا على ثروة صنعت الازدهار ثم تركت المكان فريسة للنسيان، بعدما هجرها سكانها منذ عام 1956، لتبدأ الرمال تدريجيا في استعادة منازلها وشوارعها، حتى غمرت بعض الغرف إلى منتصف الجدران.

وتقع المدينة على بُعد نحو 10 كيلومترات من ميناء لودريتز، وقد أنشأها المستعمرون الألمان مطلع القرن العشرين، عقب اكتشاف الألماس في المنطقة عام 1908.

وسرعان ما تحولت إلى مستوطنة تعدين مزدهرة، ضمت منازل حجرية ومدرسة ومحطة كهرباء ومستشفى، إلى جانب مسرح وكازينو وحوض سباحة.

وكانت الحياة في المدينة، رغم موقعها وسط الصحراء القاحلة، تتمتع بوسائل رفاهية لافتة في ذلك الوقت، فقد كانت الكهرباء تصل إلى المنازل، وتُوزع كتل الثلج يوميا على السكان، فيما كان الخباز يوصل الخبز الطازج، وتوفر وسائل النقل خدماتها داخل المدينة، كما امتلك المستشفى جهازا للأشعة السينية، عُدّ الأول من نوعه في جنوب أفريقيا.

اكتشاف غيّر مصير المنطقة

بدأت قصة الألماس في أبريل 1908، عندما عثر عامل سكك حديدية يُدعى زكريا لوالا على حجر لامع أثناء إزالة الرمال من خط السكة الحديدية بين لودريتز وأوس.

 وعرض الحجر على مشرفه أوغست شتاوخ، الذي اختار استغلال الاكتشاف بعيدا عن الأضواء، قبل أن يحصل مع شريك له على حقوق التنقيب في مساحة واسعة من المنطقة.

وفي سبتمبر من العام نفسه، أعلنت السلطات الاستعمارية الألمانية المنطقة نطاقا محظورا عُرف باسم "سبرغبيت"، وهو الاسم الذي لا يزال يُستخدم حتى اليوم، مع استمرار فرض قيود على الدخول إليها.

في البداية، جُمعت الأحجار الكريمة يدويا من الرمال، قبل أن تتطور عمليات التعدين لتشمل غربلة الحصى وغسله في منشآت متخصصة، ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى، بلغ إنتاج المنطقة نحو طن من الألماس، بما يعادل قرابة خمسة ملايين قيراط.

مدينة مترفة وسط الصحراء

على الرغم من وفرة الألماس، واجهت كولمانسكوب تحديا أساسيا تمثل في شح المياه.

وكانت مياه الشرب تُنقل من كيب تاون عبر السفن، ثم تُشحن بالقطارات إلى لودريتز، قبل نقلها إلى مناطق التعدين على ظهور البغال.

وخلال عشرينات القرن الماضي، بلغ عدد سكان المدينة نحو 300 ألماني بالغ و40 طفلا، إلى جانب قرابة 800 عامل من شعب أوشيوامبو تولوا أعمال التعدين.

وكان العمال يعملون تسع ساعات يوميا، ستة أيام في الأسبوع، مع اقتصار إجازاتهم على عيدي الفصح والميلاد، وفقا للرواية التاريخية الواردة عن المدينة.

اكتشافات جديدة تكتب نهاية المدينة

بدأت أهمية كولمانسكوب تتراجع مع انخفاض إنتاج الألماس خلال الحرب العالمية الأولى، ثم جاءت نقطة التحول الحاسمة عام 1928، عندما اكتُشفت رواسب أغنى بالألماس على امتداد الشواطئ بالقرب من مصب نهر أورانج، في المنطقة التي تقع فيها مدينة أورانجموند حاليا، على بُعد نحو 270 كيلومترا إلى الجنوب.

ومع انتقال نشاط التعدين إلى المواقع الجديدة، نُقلت المعدات من كولمانسكوب عام 1938، وغادرت شركة التعدين عام 1943، قبل أن تتوقف أعمال التنقيب نهائيا عام 1950. وبحلول عام 1956، كان آخر السكان قد غادروا المدينة.

ومع غياب السكان، فقدت المدينة الحاجز البشري الذي كان يحول دون تراكم الرمال داخل المنازل. وبدأت الرياح الجنوبية تدفع الكثبان عبر الأبواب والنوافذ، لتتراكم الرمال داخل الغرف والممرات، وتغطي أجزاء واسعة من المباني التي كانت يوما رمزا للثراء والازدهار.

وجهة سياحية تحكي قصة الماضي

رغم تحولها إلى مدينة أشباح، لا تزال كولمانسكوب تستقطب الزوار المهتمين بالتاريخ والتصوير، وتخضع لإدارة شركة نامديب، المملوكة بصورة مشتركة للحكومة الناميبية وشركة دي بيرز. وتُنظم الجولات السياحية فيها منذ عام 1980، مع اشتراط الحصول على تصريح للدخول بسبب وقوعها داخل المنطقة المحظورة.

وتمنح المباني المهجورة، التي غمرتها الرمال حتى مستويات متفاوتة، الزوار مشهدا استثنائيا يجسد الصراع المستمر بين العمران والطبيعة، فيما تتيح تصاريح التصوير الخاصة الدخول خارج ساعات الزيارة المعتادة للاستفادة من الإضاءة المناسبة.

وتحمل المدينة اسم سائق عربة يُدعى كولمان، علقت عربته في الرمال خلال عاصفة عام 1905، قبل اكتشاف الألماس الذي غيّر مصير المنطقة بعد ثلاث سنوات.

واليوم، تبدو كولمانسكوب مثالا واضحا على مدن ازدهرت بفضل مورد طبيعي ثم فقدت أهميتها مع انتقال الثروة إلى مكان آخر، لتترك للصحراء مهمة طمس معالمها، غرفة بعد أخرى، في مشهد تختلط فيه آثار الثراء القديم بقوة الطبيعة وقدرتها على استعادة المكان.