بعد نحو عقدين من فرضها على المسافرين حول العالم، بدأت قاعدة الحد الأقصى البالغ 100 مل للسوائل في حقائب اليد بالتراجع تدريجيا في عدد من المطارات، مدفوعة بالاعتماد المتزايد على أجهزة التصوير المقطعي المحوسب (CT) القادرة على فحص محتويات الحقائب دون الحاجة إلى إخراج السوائل منها.
وتعود جذور القاعدة إلى مخطط أمني أُحبط في بريطانيا في أغسطس 2006، عندما ألقت الشرطة القبض على نحو 20 شخصا للاشتباه في التخطيط لتفجير طائرات باستخدام متفجرات سائلة مخبأة داخل زجاجات تبدو كأنها مشروبات.
وأدى المخطط إلى تشديد غير مسبوق لإجراءات أمن المطارات، ففي 10 أغسطس 2006، مُنع المسافرون في مطار هيثرو عمليا من حمل الأمتعة اليدوية، قبل أن تُخفف القيود تدريجيا، وصولا إلى النظام الذي بدأ تطبيقه في نوفمبر من العام نفسه، والذي سمح بحمل السوائل في عبوات لا تتجاوز سعة كل منها 100 مل، داخل كيس شفاف واحد بسعة إجمالية لا تتجاوز لترا واحدا.
وفي الولايات المتحدة، تبنت إدارة أمن النقل الأمريكية (TSA) نظاما مشابها عُرف باسم «3-1-1»، وأُعلن عنه في سبتمبر 2006.
لماذا 100 مل؟
ظل السبب الدقيق لاختيار حد 100 مل موضع تساؤل لسنوات، إلا أن تفسيرا رسميا قدمه كيب هاولي، المدير السابق لإدارة أمن النقل الأمريكية، في عام 2008 كشف تفاصيل القصة.
وأوضح هاولي أن الاختبارات التي بدأت عقب إحباط المخطط هدفت إلى تحديد مستوى تصبح عنده كمية السوائل المحمولة على متن الطائرة محدودة الخطورة، كما أشار إلى أن تقليص حجم العبوة يحد من تأثير أي انفجار محتمل، ويجعل اكتشاف المواد المشبوهة أسهل.
وأوضح أيضا أن الكيس البلاستيكي الشفاف لا يستخدم فقط لتسهيل عملية التفتيش، بل يساعد على تركيز الأبخرة المنبعثة من المواد المتطايرة، ما يتيح لمعدات الكشف رصدها بصورة أفضل.
ومع ذلك، لم تنشر الجهات التنظيمية رقما محددا لكمية المتفجرات السائلة اللازمة لإسقاط طائرة، فيما أكدت السلطات أن بعض المعلومات المتعلقة بأسس تحديد الحد لا تزال سرية.
أجهزة التصوير المقطعي تفتح الباب أمام إلغاء القاعدة
شهدت السنوات الأخيرة تطورا كبيرا في تقنيات فحص الأمتعة، مع انتشار أجهزة التصوير المقطعي المحوسب التي تنتج صورا ثلاثية الأبعاد لمحتويات الحقائب، ما يسمح بتحليل السوائل والمواد الأخرى دون إخراجها في بعض أنظمة الفحص المتقدمة.
وكانت بريطانيا من أوائل الدول التي بدأت اختبار إمكانية الاستغناء عن حد الـ100 مل، ففي ديسمبر 2022، أعلنت وزارة النقل البريطانية خطة لتحديث نقاط التفتيش، مع السماح في المطارات المجهزة بالتقنيات المناسبة بحمل سوائل تصل إلى لترين.
وبدأت بعض المطارات البريطانية بالفعل في تخفيف القيود خلال عام 2023، كما اتخذ مطار سخيبول في هولندا خطوات مماثلة بعد تركيب أجهزة التصوير المقطعي، لكن التغيير لم يستمر طويلا.
عودة القيود في 2024
في يونيو 2024، طلبت وزارة النقل البريطانية من المطارات التي كانت قد ألغت حد الـ100 مل إعادة فرضه مؤقتا، مؤكدة أن القرار لا يرتبط بتهديد أمني جديد، وإنما بإجراء يهدف إلى إدخال مزيد من التحسينات على أنظمة التفتيش الجديدة.
وفي سبتمبر من العام نفسه، اتخذ الاتحاد الأوروبي خطوة مماثلة، بعدما أصدرت المفوضية الأوروبية لائحة حدت بموجبها استخدام بعض أجهزة الفحص من طراز C3 في التعامل مع السوائل التي تتجاوز 100 مل.
وأكدت المفوضية أن الإجراء جاء بسبب "مشكلة تقنية مؤقتة"، وليس استجابة لتهديد أمني جديد.
وأثار القرار انتقادات من قطاع المطارات، الذي كان قد أنفق مبالغ كبيرة على أجهزة الفحص الحديثة، على أساس أنها ستسمح بتخفيف القيود المفروضة على السوائل.
جهاز واحد فقط يسمح حاليا بعبوات تصل إلى لترين
وفق قائمة المعدات العامة للمؤتمر الأوروبي للطيران المدني (ECAC) في سبتمبر 2026، لا يزال عدد أجهزة الفحص القادرة على السماح بتجاوز حد الـ100 مل محدودًا للغاية.
ويُعد جهاز Smiths Detection HI-SCAN 6040 CTiX، المزود بخوارزمية الكشف 20-71-00، أول إعداد تقني يحصل على اعتماد يسمح بفحص عبوات تصل إلى لترين.
وفي المقابل، لا تزال عشرات إعدادات أجهزة C3 الأخرى خاضعة لحد الـ100 مل.
وأدى ذلك إلى ظهور وضع غير موحد بين المطارات، بل وأحيانا بين نقاط التفتيش داخل المطار نفسه، إذ يمكن لمسافر أن يُسمح له بحمل زجاجة مياه كبيرة في مطار معين، بينما يُطلب منه التخلص منها في مطار آخر، أو حتى في ممر تفتيش مختلف داخل المطار ذاته.
القاعدة لم تختفِ بعد
ورغم التقدم في استخدام أجهزة التصوير المقطعي، لا تزال قاعدة الـ100 مل سارية في معظم المطارات، بينما تسمح بعض المطارات التي تمتلك أنظمة الفحص المعتمدة بحمل سوائل تصل إلى لترين.
وبعد 20 عاما من فرضها، يبدو أن مستقبل قاعدة الـ100 مل لن يتحدد فقط بمستوى التهديد الأمني، وإنما أيضا بنوع أجهزة الفحص المستخدمة واعتمادها التنظيمي.
ولم يعد السؤال الذي يواجه المسافر اليوم: «هل يسمح بحمل أكثر من 100 مل؟، بل أصبح أيضا: "أي جهاز تفتيش موجود في الممر الذي سأمر عبره؟".

