في المنزل لديك قهوة أرخص، ومقعد أريح، وإنترنت تعرف كلمة مروره، ومع ذلك تحمل حاسوبك وتذهب إلى مقهى مزدحم كي تنجز عملاً كان يفترض أن تنهيه في غرفة هادئة، فما الذي نشتريه حقاً حين ندفع ثمن كوب القهوة، الكافيين أم القدرة على البدء؟
قد يكون الجواب كامناً في المشهد المحيط بك، شخص يراجع ملفاً، وآخر يكتب بسرعة، وطالب يقلب صفحات كتاب، ونادل يتحرك بين الطاولات، وأحاديث لا تخصك تتداخل مع صوت آلة القهوة، كل شيء يتحرك، لذلك يصبح بقاؤك ساكناً أمام مهمة مؤجلة أمراً أكثر صعوبة.
ضجيج مفيد
بحث نُشر في دورية «Journal of Consumer Research» اختبر تأثير الضوضاء المحيطة في التفكير الإبداعي عبر 5 تجارب، وقارن بين مستويات بلغت 50 و70 و85 ديسيبل، ووجد أن المستوى المتوسط، أي نحو 70 ديسيبل، ساعد المشاركين على أداء أفضل في المهام الإبداعية مقارنة بالهدوء النسبي عند 50 ديسيبل، بينما تراجعت الفائدة عندما ارتفع الصوت إلى 85 ديسيبل.
الفكرة أن الضوضاء المتوسطة تزعج طريقة التفكير المعتادة بدرجة صغيرة، فتدفع العقل إلى معالجة المعلومات بصورة أكثر تجريداً، وهذا الاضطراب المحدود قد يساعده على تكوين روابط جديدة بين الأفكار، أما حين تصبح الأصوات مرتفعة جداً، فإن العقل ينفق جزءاً أكبر من طاقته على مقاومتها.
وفي إحدى تجارب الدراسة شارك 95 طالباً جامعياً، بينهم 60 امرأة، ووُضع المشاركون أمام مهام إبداعية في بيئتين صوتيتين مختلفتين، 50 و70 ديسيبل، وجاءت النتائج لمصلحة المستوى المتوسط من الضوضاء.
وللمقارنة، يضع المعهد الوطني الأمريكي للصمم واضطرابات التواصل مستوى المحادثة العادية عند نحو 60 إلى 70 ديسيبل، أي أن المقهى ليس بالضرورة مكاناً صاخباً وفق المعايير السمعية، إذا بقيت الأصوات ضمن هذا النطاق، كما أن التعرض المتكرر أو الطويل لأصوات تبدأ من 85 ديسيبل قد يرفع خطر الإضرار بالسمع.
والفارق بين 70 و80 ديسيبل ليس بسيطاً كما توحي الأرقام، لأن مقياس الديسيبل لوغاريتمي، وزيادة قدرها 10 ديسيبل تعني ارتفاع شدة الصوت 10 مرات تقريباً، ويُدركها الإنسان عادة بوصفها تضاعفاً تقريبياً في علو الصوت.
غرباء يعملون
يبقى العنصر الأكثر إثارة هو وجود أشخاص يعملون حولنا، فمن السهل أن نصف الإنتاجية بأنها «معدية»، إلا أن الأدلة العلمية أكثر تحفظاً.
وتشرح ظاهرة «التيسير الاجتماعي» أن وجود الآخرين قد يحسن أداء المهام المألوفة أو البسيطة، وقد يضعف الأداء عندما تكون المهمة جديدة أو شديدة التعقيد، أي أن المقهى قد يساعدك على كتابة مسودة أو مراجعة بريدك، ولا يضمن أن يكون المكان الأفضل لحل معادلة معقدة أو قراءة نص يحتاج إلى تركيز دقيق.
أما فكرة انتقال الجهد الذهني من شخص إلى آخر، فقد دعمتها تجربة أولية شملت 38 مشاركاً، غير أن دراستين لاحقتين حاولتا تكرار النتيجة ولم تجدا أثراً ثابتاً، وخلص الباحثون إلى أن «عدوى الجهد» ليست مؤكدة علمياً حتى الآن.
هذا لا يعني أن وجود العاملين حولك بلا تأثير، فالمقهى يفرض عليك عقداً اجتماعياً صغيراً، لقد حضرت للعمل، وفتحت الحاسوب أمام الناس، ودفعت ثمن مشروب، واخترت طاولة لفترة محدودة، لذلك يصبح تصفح الهاتف أو الاستلقاء أو مغادرة المهمة أقل سهولة مما هو عليه في المنزل.
انتباه ناقص
ولا تفيد أصوات المقاهي الجميع بالطريقة نفسها، فالكلمات الواضحة قد تكون أشد تشتيتاً من الهمهمة العامة، لأن الدماغ يحاول تلقائياً فهم الحديث، لذلك يسهل تجاهل مزيج غير واضح من الأصوات، بينما يصعب تجاهل حوار كامل يجري على الطاولة المجاورة.
كما أن الدراسة الشهيرة تناولت الإبداع بصورة أساسية، ولا تعني أن 70 ديسيبل هو المستوى المثالي لكل إنسان أو لكل مهمة، فالكتابة الأولية والعصف الذهني قد يستفيدان من شيء من الحركة، بينما تحتاج المراجعة الدقيقة والحساب والتحليل المعقد إلى مكان أكثر هدوءاً.

