مشهد نراه منذ قرون.. لماذا يسير البرق في خطوط عشوائية متعرجة؟

لطالما بدا البرق وكأنه يرسم في السماء خطوطا عشوائية متعرجة، لكن وراء هذا المشهد المذهل آلية فيزيائية دقيقة تحير العلماء منذ عقود، إلا أن أبحاثا حديثة تقدم تفسيرا مثيرا لكيفية اختيار الصاعقة لمسارها، وتشير إلى أن نوعا شديد الطاقة من الأكسجين قد يكون أحد المفاتيح الأساسية وراء هذه الظاهرة.

ورغم التقدم الهائل الذي حققه العلم في فهم الظواهر الطبيعية، لا يزال البرق يحمل الكثير من الأسرار.

ويشير الفيزيائي جون لوك من جامعة جنوب أستراليا إلى أن العلماء قادرون على التنبؤ بموعد حدوث كسوفات الشمس والقمر بدقة تصل إلى أجزاء من الثانية، بينما ما زالت تفاصيل دقيقة حول ظاهرة مألوفة مثل البرق تثير تساؤلات علمية.

البرق لا يبدأ بالصاعقة التي نراها

يكشف التصوير فائق السرعة أن البرق المرئي ليس سوى المرحلة الأخيرة من عملية أكثر تعقيدا، فقبل ظهور الوميض الساطع، تتشكل قنوات كهربائية تعرف باسم "القادة"، وهي مسارات من الهواء المتأين تتفرع من قاعدة السحابة الرعدية وتهبط تدريجيا نحو الأرض.

ولا تستطيع العين البشرية رؤية معظم هذه القنوات بسبب ضعف شدة ضوئها، لكنها هي التي تحدد الشكل المتعرج الذي سيتخذه البرق لاحقا.

ويعمل الهواء في الظروف الطبيعية كعازل كهربائي، لكن هذه القنوات تغير خصائصه في مناطق محددة، فتتكون فيها تركيزات مرتفعة من نوع شديد الطاقة من جزيئات الأكسجين يعرف باسم "الأكسجين أحادي القَزْم".

ويتميز هذا الشكل النشط من الأكسجين بقدرته على توصيل الكهرباء بدرجة أكبر بكثير من الهواء العادي.

قفزات صغيرة ترسم طريق الصاعقة

تشير الدراسة إلى أن مسار البرق لا يتقدم بشكل متواصل، بل يتحرك في سلسلة من القفزات المتتابعة، ويبلغ طول كل جزء من مسار القائد نحو 50 مترا، قبل أن ينتقل النشاط الكهربائي إلى جزء جديد.

وتستغرق كل قفزة نحو ميكروثانية واحدة فقط، ثم تتبعها فترة قصيرة لا يظهر خلالها أي نشاط مرئي، قبل أن تبدأ القفزة التالية.

واللافت أن المنطقة النشطة الجديدة يمكن أن تتشكل في اتجاه مختلف عن الجزء السابق، وهو ما يفسر الشكل المتعرج والمفاجئ لمسار البرق بدلا من تحركه في خط مستقيم.

البرق يبني مساره بنفسه

يبدو أن العملية تعمل بطريقة ذاتية الاستمرار، فعندما تتولد أجزاء جديدة من المسار، تنتج عنها حقول مغناطيسية شديدة تساعد بدورها على تكوين المزيد من جزيئات الأكسجين شديدة الطاقة في الهواء المحيط.

وتوفر هذه الجزيئات مسارات أكثر قدرة على توصيل الكهرباء، ما يسمح للقائد بالاستمرار في التقدم والقفز إلى منطقة جديدة.

وعندما يصل أحد هذه المسارات في النهاية إلى الأرض أو إلى جسم مرتفع ومتصل بها، تبدأ المرحلة الأكثر إثارة، "ضربة الرجوع"، وهي الوميض الساطع والصوت القوي اللذان نربطهما عادة بالبرق، حيث تندفع الطاقة بسرعة هائلة على طول المسار الذي جرى تشكيله مسبقا.

أما القنوات الأخرى التي لم تصل إلى الأرض، فتتلاشى وتفقد شحنتها.

فهم مسار البرق قد يحمي الأرواح والمنشآت

لا تقتصر أهمية هذه النتائج على حل لغز علمي مثير، إذ يمكن أن يساعد فهم الطريقة التي يختار بها البرق مساره في تحسين وسائل الحماية من الصواعق.

وقد تستفيد من هذه المعرفة عمليات تصميم وتركيب مانعات الصواعق في المنشآت المرتفعة والمعرضة للخطر، مثل ناطحات السحاب وأبراج الاتصالات والبث، إضافة إلى الهياكل المرتفعة على السفن.

وقد يكون المسار المتعرج الذي يبدو للوهلة الأولى عشوائيا، في الواقع نتيجة سلسلة دقيقة من العمليات الفيزيائية المتتابعة، تجعل البرق يبدو وكأنه يبني طريقه بنفسه في الهواء، خطوة كهربائية بعد أخرى.