في أعماق المحيط، حيث لا تصل أضواء المدن ولا ضجيج الحياة البشرية، يتكرر كل عام أحد أكثر المشاهد الطبيعية إثارة للدهشة، إذ تتجمع آلاف أسماك الهامور في مواقع محددة للتكاثر بالتزامن مع اكتمال القمر.
وتبلغ الظاهرة ذروتها في جزيرة فاكارافا المرجانية في بولينيزيا الفرنسية، حيث تشير التقديرات إلى تجمع نحو 18 ألف سمكة هامور مموهة في موسم التكاثر.
ولا يقتصر المشهد على تجمع الأسماك فحسب، إذ تجذب هذه الكتلة الهائلة من الفرائس أعدادا كبيرة من الحيوانات المفترسة، وعلى رأسها أسماك القرش، لتتحول المياه خلال تلك الليلة إلى ساحة صراع بين الفناء والبقاء.
ليلة واحدة.. ومئات أسماك القرش
وثّق مصور الحياة البرية الفرنسي لوران باليستا هذه الظاهرة بعد سنوات من المحاولات، في مهمة لم تكن سهلة على الإطلاق.
وخلال إحدى عمليات الغوص، فوجئ باليستا وفريقه بوجود نحو 700 سمكة قرش تلاحق أسماك الهامور ليلا، وفقا لما نقله عنه موقع IFLScience.
وقال باليستا إن فريقه وجد نفسه فجأة محاطا بمئات أسماك القرش التي كانت تجوب قاع البحر بحثا عن أسماك الهامور المختبئة.
وكان على أفراد فريق التصوير ارتداء معدات حماية خاصة، بينها ملابس مصنوعة من حلقات معدنية، بسبب اقتراب أسماك القرش أحيانا من معدات التصوير. لكن مواجهة الحيوانات المفترسة لم تكن التحدي الوحيد.
موعد لا يتكرر
المشكلة الأكبر أن عملية التكاثر تحدث خلال ليلة واحدة فقط، وليس في تاريخ ثابت يمكن للباحثين تحديده بسهولة.
وفي فاكارافا، يرتبط الحدث عادةً باكتمال القمر في شهر يوليو، ما جعل فريق برنامج Blue Planet يفشل في رصد الظاهرة خلال محاولته الأولى.
ولم يتوقف الأمر عند ذلك، فقد احتاج فريق التصوير، بالتعاون مع باليستا وفرق أخرى، إلى خمسة مواسم من المحاولات للحصول على لقطات لم يظهر منها في البرنامج سوى أقل من ساعة.
لماذا القمر المكتمل؟
السؤال الأكثر إثارة هو: كيف تعرف أسماك الهامور أن الوقت قد حان؟
تشير الدراسات إلى أن الإجابة قد تكون مرتبطة بتأثير القمر في المد والجزر والضوء الطبيعي.
فمراحل القمر تؤثر في حركة المد والجزر، ويعتقد باحثون أن التغيرات في حركة المياه أثناء اكتمال القمر قد تساعد على دفع البيوض المخصبة بعيدا إلى المحيط المفتوح، وهو ما يوفر لها بيئة أكثر أمانا ويزيد فرص بقائها. لكن الأمر قد لا يتعلق بالمد والجزر وحده.
فقد أظهرت أبحاث على أنواع أخرى من الهامور أن التغيرات في مستويات الضوء المرتبطة بمراحل القمر يمكن أن تؤثر في التكاثر لدى الأسماك.
وتشير الدراسات إلى احتمال مشاركة بروتينات حساسة للضوء في هذه العملية. والأكثر إثارة أن الباحثين تمكنوا في إحدى الدراسات من تحفيز نوع من الهامور على التكاثر باستخدام ضوء قمر اصطناعي.
لغز لم يُحل بالكامل
ورغم التقدم العلمي، لا تزال الطريقة الدقيقة التي تنسق بها آلاف الأسماك موعد تكاثرها في الليلة نفسها لغزا لم تُكشف جميع تفاصيله.
لكن هذه الظاهرة لا تقدم مشهدا مذهلا للحياة البحرية فحسب، بل تفتح أيضا بابا أمام سؤال بيئي متزايد الأهمية، ماذا يحدث للحيوانات التي تعتمد على دورات الضوء الطبيعي عندما تضيء الأنشطة البشرية المحيطات ليلا؟
وبين ضوء القمر وحركة المد والجزر والإشارات البيولوجية الدقيقة، تقدم أسماك الهامور واحدة من أكثر القصص إثارة في عالم الطبيعة، قصة تكشف كيف يمكن لكائنات تعيش في أعماق البحر أن تضبط ساعة تكاثرها بدقة مذهلة، وكأنها تستجيب لساعة كونية لا تزال أسرارها قيد الاكتشاف.

