في حالة علمية نادرة، وثّق باحثون تجربة فتى يبلغ من العمر 16 عاما يمتلك قدرة استثنائية على استرجاع تفاصيل دقيقة من أحداث حياته، لدرجة أن أداءه في اختبارات الذاكرة الذاتية جاء إحصائيا أعلى من أداء أكثر من 99.9% من عامة السكان.
الفتى، الذي اكتفى الباحثون بالإشارة إليه بالرمز KCL لحماية هويته، ينتمي إلى فئة نادرة من الأشخاص الذين يتمتعون بما يُعرف علميا باسم الذاكرة الذاتية الفائقة (HSAM)، وهي حالة تجعل أصحابها قادرين على تذكر عدد كبير من تفاصيل حياتهم الشخصية بصورة دقيقة ولافتة.
ويُعتقد أن عدد الأشخاص الذين تم توثيق امتلاكهم لهذه القدرة حول العالم لا يتجاوز 100 شخص، ما يجعل كل حالة جديدة فرصة مهمة أمام العلماء لفهم طبيعة الذاكرة البشرية وآليات استرجاعها.
ذكريات من عمر 3 أشهر
بحسب دراسة حالة نُشرت في مجلة Cortex، تواصل KCL في فبراير 2025 مع الباحث كريستيان باريكوفسكي، المتخصص في دراسة الذاكرة الذاتية، وقدم وصفا لقدرته غير المعتادة على تذكر الماضي.
وقال الفتى إنه يمتلك ذكريات تعود إلى فترة مبكرة للغاية من حياته، بينها ذكريات قال إنها ترجع إلى عمر نحو ثلاثة أشهر فقط، وتحديدا إلى أبريل 2009، إضافة إلى ذكريات من طفولته خلال عامي 2010 و2011، تمكن والداه من تأكيد بعض تفاصيلها.
وأشار إلى أن شعوره بامتلاك ذكريات شخصية متصلة وواعية بدأ تقريبا في سن الثالثة، ومنذ ذلك الوقت أصبحت معظم ذكرياته، بحسب وصفه، واضحة ومفصلة وسهلة الاستدعاء.
والأكثر إثارة أن استحضار هذه الذكريات لا يتطلب منه دائما محاولة واعية للتذكر، إذ يمكن أن تظهر تلقائيا بفعل محفزات بسيطة، مثل رائحة معينة أو أغنية أو حتى جملة يسمعها.
وذكر KCL أنه يستطيع استعادة تفاصيل أحداث وقعت في نحو نصف الأيام التي مرت منذ أغسطس 2022 تقريبا.
ذاكرة استثنائية.. لكن القدرات الأخرى طبيعية
أخضع الباحثون الفتى لسلسلة من الاختبارات المعرفية المعروفة عن بُعد، بسبب إقامته بعيدا عن فريق الدراسة.
وأكدت النتائج امتلاكه خصائص تتوافق مع حالة الذاكرة الذاتية الفائقة، إذ جاء أداؤه في استرجاع ذكريات حياته الشخصية عند مستوى يتجاوز إحصائيا أداء 99.9% من عامة السكان.
لكن الدراسة كشفت في الوقت نفسه أن هذه القدرة لا تعني امتلاكه تفوقا عاما في جميع أنواع الذاكرة.
فقد بدت قدراته المتعلقة بالانتباه والذاكرة العاملة والوظائف التنفيذية طبيعية نسبيا، وهو ما يتوافق مع ملاحظات سابقة لدى أشخاص آخرين يمتلكون الذاكرة الذاتية الفائقة.
كما لم يلاحظ الباحثون، وفق المعلومات التي قدمتها أسرة الفتى، مؤشرات أخرى غير معتادة في نموه أو مسيرته التعليمية، ولم تكن هناك مشكلات نفسية أو تعليمية معروفة مرتبطة بحالته.
ليس "عقلا خارقا" بالمعنى المتعارف
ويؤكد الباحثون أن الأشخاص الذين يتمتعون بالذاكرة الذاتية الفائقة ليسوا بالضرورة أصحاب قدرات خارقة في كل ما يتعلق بالحفظ والتعلم.
فالاختلاف الأساسي، وفق الدراسة، يبدو مرتبطا تحديدا بكيفية الوصول إلى ذكريات التجارب الشخصية واسترجاعها، وليس بقدرة عامة على حفظ الأرقام أو تعلم المعلومات اليومية.
وكانت هذه النقطة تحديدا محور اهتمام الفريق العلمي في حالة KCL، إذ ركز الباحثون على الذكريات التي تظهر بصورة لا إرادية.
وخلال إحدى التجارب، طُلب من الفتى متابعة مجموعة من الأنماط على شاشة الكمبيوتر، بينما كان الباحثون يسألونه بصورة دورية عن الأفكار التي خطرت له أثناء أداء المهمة.
وأظهرت النتائج أن ذكريات الماضي الشخصية ظهرت لديه بصورة تلقائية بمعدل أعلى بشكل ملحوظ مقارنة بالبيانات المتاحة لأشخاص من عامة السكان.
في المقابل، لم يظهر ارتفاع مماثل في الأفكار التلقائية المتعلقة بالمستقبل، كما ظل المعدل الإجمالي للأفكار غير المرتبطة بالمهمة ضمن النطاق الطبيعي.
لغز علمي حول طريقة استرجاع الذكريات
ويرى الباحثون أن هذه النتائج تدعم فكرة أن الذاكرة الذاتية الفائقة قد لا تعني ببساطة امتلاك "ذاكرة أقوى"، وإنما قد تكون مرتبطة بتغير في ديناميكية استرجاع الذكريات.
ويشيرون إلى أن أصحاب هذه القدرة ربما يكونون أكثر حساسية للمحفزات التي ترتبط بأحداث سابقة، مع انخفاض العتبة اللازمة للوصول إلى المعلومات المتعلقة بتجاربهم الشخصية.
وبالتالي، قد يكمن سر هذه القدرة الاستثنائية ليس فقط فيما يتذكره الشخص، وإنما في الطريقة التي تصل بها ذكرياته إلى وعيه.
وتوفر حالة KCL للباحثين نافذة نادرة لدراسة واحدة من أكثر الظواهر غموضا في الذاكرة البشرية، وقد تساعد الحالات المشابهة مستقبلا في الكشف عن الكيفية التي يخزن بها الدماغ تجاربنا الشخصية، ولماذا تبقى بعض التفاصيل حاضرة لعقود، بينما تتلاشى تفاصيل أخرى مع مرور الوقت.

