مليون دورة بلا تراجع.. اختراق علمي يغيّر مستقبل أجهزة التكييف

في خطوة قد تعيد رسم مستقبل أنظمة التبريد المستدامة، كشف باحثون من جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا عن جهاز تبريد جديد يعتمد على تقنية "التبريد الكالوري المرن"، ويتميز بقدرته على الحفاظ على أداء ثابت دون تدهور حتى بعد مليون دورة تشغيل.

ويعتمد الابتكار على مادة تبريد صلبة مقاومة للتعب، في محاولة لمعالجة واحدة من أبرز العقبات التي حالت دون انتشار هذه التقنية تجاريا، والمتمثلة في تراجع كفاءة مواد التبريد التقليدية المستخدمة فيها مع مرور الوقت.

ويقول الباحثون إن الجهاز الجديد يمثل بديلا أخضر واعدا لأنظمة التبريد التقليدية، بفضل اعتماده على ظاهرة فيزيائية مختلفة عن أنظمة التبريد المعتادة.

كيف يعمل التبريد الجديد؟

تعتمد تقنية التبريد الكالوري المرن على ما يعرف بالتحول الطوري الناتج عن تعريض سبائك ذات ذاكرة شكلية للإجهاد، وعند تعرض هذه المواد لقوى ميكانيكية محددة، تتغير خصائصها الحرارية بطريقة يمكن استغلالها لإنتاج تأثير تبريدي.

لكن هذه التقنية واجهت منذ سنوات تحديا رئيسيا يتعلق بعمر المادة واستقرار أدائها، إذ إن سبيكة النيكل-تيتانيوم (NiTi) المستخدمة في العديد من أجهزة التبريد الكالوري المرن تتعرض لما يعرف بالتعب الوظيفي، ما يؤدي إلى انخفاض قدرتها على التبريد مع الاستخدام المتكرر.

وللتغلب على هذه المشكلة، طوّر فريق جامعة هونغ كونغ للعلوم والتكنولوجيا سبيكة جديدة مقاومة للتعب، ثم دمجها مع تصميم جديد لوحدة التبريد.

وأدى الجمع بين المادة الجديدة والهندسة المتطورة للجهاز إلى تطوير نظام وصفه الباحثون بأنه أول جهاز تبريد كالوري مرن من دون تدهور في الأداء، مع قدرة على الحفاظ على استقرار التبريد خلال فترات التشغيل الطويلة.

400 واط ومليون دورة

وخلال الاختبارات، تمكن الجهاز من تحقيق قدرة تبريد ثابتة بلغت 400 واط، مع الحفاظ على فرق حراري قدره 41 درجة مئوية طوال مليون دورة تشغيل، من دون تسجيل تدهور في الأداء.

ولم تتوقف الاختبارات عند هذا الحد، إذ أظهرت اختبارات التعب المتسارعة لمادة التبريد الجديدة، المعروفة باسم TiNiCuCo، عدم حدوث تدهور وظيفي حتى بعد 100 مليون دورة.

وبناءً على هذه النتائج، تشير تقديرات الفريق إلى أن مادة التبريد يمكن أن تعمل بشكل موثوق لأكثر من عقد من الزمن في ظروف التبريد الواقعية.

ويؤكد البروفيسور سون تشينغ بينغ، أستاذ الهندسة الميكانيكية وهندسة الطيران في الجامعة والمؤلف المسؤول عن الدراسة، أن الوصول إلى أداء تبريدي جيد لم يعد التحدي الوحيد، بل أصبح الحفاظ على هذا الأداء لفترات طويلة عنصرا حاسما أمام الانتقال من المختبر إلى الاستخدام العملي.

ويعمل الفريق حاليا على تطوير مكيف هواء يعتمد على هذه التقنية، مع السعي مستقبلا إلى رفع كفاءة الطاقة وكثافة القدرة وخفض التكلفة، بما يساعد على تسريع اعتماد أنظمة التبريد الكالوري المرن تجاريا.

خطوة جديدة نحو تكييف أكثر استدامة

ويأتي هذا الإنجاز بعد تطورات سابقة في التقنية نفسها، ففي عام 2025، طور باحثون من الجامعة جهاز تبريد كالوري مرن على نطاق الكيلواط، وصلت قدرته إلى 1,284 واط، ما أظهر إمكانية استخدام هذه التقنية في تطبيقات تكييف الهواء.

لكن الابتكار الأحدث يركز على مشكلة مختلفة، كيف يمكن الحفاظ على أداء نظام التبريد مستقرا بعد عدد هائل من دورات التشغيل؟

ومن خلال استخدام سبيكة TiNiCuCo المقاومة للتعب، وإعادة تصميم هيكل مادة التبريد، واعتماد بنية أكثر إحكامًا للنظام، يقول الباحثون إنهم تمكنوا من معالجة واحدة من نقاط الضعف الرئيسية للتقنية، وهي المتانة والاستقرار على المدى الطويل.

وإذا نجحت هذه التقنية في الانتقال من النماذج البحثية إلى أجهزة تكييف وتبريد تجارية على نطاق واسع، فقد تفتح الطريق أمام جيل جديد من أنظمة التبريد التي تستفيد من المواد الصلبة بدلا من الاعتماد على أساليب التبريد التقليدية.