قد تبدو منصات النفط البحرية من أكثر أماكن العمل قسوة؛ أسابيع طويلة في عرض البحر، طقس متقلب، ومهام تتطلب التعامل مع منشآت ضخمة في بيئة شديدة الخطورة، لكن بعض العاملين هناك يواجهون تحدياً إضافياً وهو العمل تحت الماء لشهر كامل تقريباً، بينما يتحدثون بصوت حاد يشبه شخصية «دونالد داك» الكرتونية الشهيرة.
هؤلاء هم غواصو التشبع، وهم من الفئات التي تعمل في واحدة من أكثر بيئات العمل تطلباً، إذ يمكن أن يقضوا أسابيع في غرف مضغوطة تحت سطح البحر قبل العودة إلى الضغط الطبيعي.
العيش تحت ضغط هائل
يعمل غواصو التشبع عادةً على أعماق كبيرة، قد تصل إلى نحو 300 متر تحت سطح البحر. ولا يمكن للغواصين الصعود والهبوط من هذه الأعماق يومياً، لأن التغيرات السريعة في الضغط قد تسبب مرض تخفيف الضغط، المعروف أيضاً باسم «داء الغواصين».
عند ارتفاع الضغط، يذوب مقدار أكبر من النيتروجين في الدم والأنسجة. وإذا انخفض الضغط بسرعة أثناء الصعود، يمكن أن يتكوّن النيتروجين على شكل فقاعات داخل الجسم، ما قد يؤدي إلى إصابات خطيرة.
لذلك، بدلاً من تكرار عملية الصعود والهبوط، يعيش الغواصون في غرف تشبع تحافظ على ضغط مرتفع وثابت يتناسب مع العمق الذي يعملون فيه، وقد تستمر فترة التشبع الواحدة لأسابيع، وتصل في بعض العمليات إلى نحو 28 يوماً، وفقا لموقع "iflscience".
لماذا يتحول صوتهم إلى «دونالد داك»؟
في بيئة الضغط العالي، لا يكون التنفس بالهواء العادي مناسباً بسبب المخاطر المرتبطة بارتفاع تركيز النيتروجين، ومن بينها التخدير النيتروجيني، الذي قد يؤثر في الإدراك والقدرة على اتخاذ القرار.
لذلك يستخدم الغواصون خليطاً من الهيليوم والأكسجين يُعرف باسم «هيليوكس»، إذ يحل الهيليوم محل جزء كبير من النيتروجين. لكن الهيليوم له تأثير جانبي شهير: الصوت يتغير بشكل واضح ويصبح حاداً ومشوشاً.
والسبب لا يعود إلى الأحبال الصوتية نفسها بقدر ما يرتبط بطريقة انتقال الصوت ورنينه داخل مجرى التنفس. ومع الضغط العالي واستخدام الهيليوم، قد يصبح كلام الغواصين صعب الفهم لدرجة أن فرق الدعم تحتاج أحياناً إلى أجهزة لفك تشفير الكلام.
وهكذا، يمكن أن يقضي الغواص أسابيع في أعماق البحر وهو يؤدي أعمالاً بالغة الخطورة، بينما يصل صوته إلى زملائه في الأعلى بنبرة حادة تشبه أصوات الشخصيات الكرتونية.
الهيليوم
الأمر لا يتوقف عند الصوت. فالعمل تحت ضغوط شديدة قد يؤدي لدى بعض الغواصين إلى متلازمة الضغط العصبي العالي (HPNS)، وهي مجموعة من الأعراض العصبية المرتبطة بالتعرض لضغوط كبيرة، ويمكن أن تتأثر شدتها بتركيب غاز التنفس وسرعة زيادة الضغط.
لهذا السبب، فإن تحديد خليط الغازات والضغط المناسبين ليس مسألة بسيطة، بل عملية دقيقة تعتمد على عمق الغوص ومدته وظروف المهمة.
ورغم ارتباط غواصي التشبع غالباً بمنصات النفط والغاز البحرية، فإن هذه التقنية تُستخدم في مهام أخرى أيضاً، من صيانة البنية التحتية والكابلات البحرية إلى عمليات الإنقاذ والأبحاث العلمية.

