فخاخ الدلافين ورقصة الموت.. ماذا يحدث في هجرة ملايين أسماك البوري؟

مصدر الصور "National Geographic\"
مصدر الصور "National Geographic\"

في كل خريف وشتاء، تبدأ قبالة سواحل فلوريدا الأميركية واحدة من أغرب الهجرات البحرية، حين تتجمع ملايين أسماك البوري المخطط في أسراب هائلة وتتحرك معا نحو مناطق التكاثر، في مشهد يشبه رقصة جماعية ضخمة فوق سطح البحر.

وقد تضم بعض الأسراب نحو مليون سمكة، وتمتد لمسافة تقارب نصف ميل، بينما يصل عرضها إلى نحو 40 قدمًا، فتبدو من بعيد كأنها كتلة داكنة تتحرك فوق المياه.

لكن هذه الرحلة لا تخلو من الخطر؛ فمع تجمع الملايين، تبدأ المفترسات في مطاردتها، وتبرز الدلافين بطريقة صيد لافتة، إذ تستخدم ذيولها لإثارة الرواسب في قاع المياه وتشكيل حلقات عكرة حول أسراب البوري، فتدفع الأسماك إلى القفز خارج الماء، حيث تكون الدلافين في انتظارها.

سرب ضخم يتحرك ككائن واحد

تبدأ الهجرة في الخريف، عندما تتجمع أعداد كبيرة من البوري المخطط في المياه القريبة من سواحل فلوريدا على خليج المكسيك والمحيط الأطلسي، متجهة نحو مناطق التكاثر.

وعندما يقترب قارب من أحد الأسراب، تنقسم الأسماك حوله لتترك مساحة من المياه، ثم تعود إلى التجمع بسرعة بعد مروره، في مشهد وصفه المصور والمستكشف في " National Geographic"، ماك ستون، بأنه مربك بصريًا بسبب كثافة الأسماك التي تحيط به من كل جانب.

ويبلغ طول سمكة البوري المخطط عادة نحو قدم واحدة، وهي من الأسماك التي تتغذى بالقرب من القاع، وتنتشر في المياه الاستوائية وشبه الاستوائية والمعتدلة حول العالم.

مصدر الصور
مصدر الصور "National Geographic\"

لماذا تقفز الأسماك من الماء؟

هذه الأسراب الهائلة لا تمر دون أن تلاحظها الحيوانات المفترسة، فوفرة البوري خلال موسم الهجرة توفر مصدرًا غذائيًا مهمًا لعدد كبير من الأنواع، من بينها أسماك الطراربون وأسماك القرش والماكريل الملكي والطيور البحرية.

وعندما تحاول الأسماك الهرب من المفترسات، تقفز أعداد كبيرة منها خارج الماء، وهو سلوك قد يمنحها فرصة للنجاة وسط الهجوم الجماعي، لكن بعض الدلافين يبدو أنها تعلمت استغلال هذا السلوك لصالحها.

في منطقة إيفرغلادز، تستخدم الدلافين قارورية الأنف زعانفها الذيلية لتحريك الطين وتشكيل حلقات حول مجموعات البوري. ومع اقتراب الحلقة، تحاول الأسماك الهروب بالقفز خارج الماء، لتجد بعض الدلافين في انتظارها. وهكذا تتحول محاولة الهروب إلى فخ تستخدمه الدلافين للحصول على وجبة سهلة.

كيف عاد البوري بأعداد ضخمة؟

المشهد الحالي لا يعكس وفرة طبيعية فحسب، بل يرتبط أيضًا بتغيرات حدثت في طريقة إدارة صيد الأسماك في فلوريدا.

فبحسب "National Geographic"، كان البوري يتعرض لصيد تجاري كثيف، خصوصًا باستخدام شباك صيد متشابكة كانت تسمح باصطياد أعداد كبيرة منه، لكن فلوريدا حظرت استخدام هذه الشباك قبل نحو 30 عامًا، وساهم ذلك في تعزيز أعداد البوري في المنطقة.

أهمية البوري لا تتوقف عند أعداده الهائلة، فعندما تصل ملايين الأسماك إلى المنطقة، تستفيد منها شبكة واسعة من الكائنات البحرية والطيور التي تعتمد عليها كمصدر غذاء.

وتجذب أسراب البوري أسماكًا مفترسة مثل الطراربون والقرش والماكريل الملكي، بينما تستفيد الطيور الجارحة، ومنها العقاب النساري، من وفرة الأسماك قرب سطح الماء، وبذلك تتحول الهجرة السنوية إلى دفعة غذائية هائلة للنظام البيئي الساحلي بأكمله.

رحلة تكشف صحة النظام البيئي

ما يبدو للعين مجرد سرب هائل من الأسماك هو في الحقيقة جزء من شبكة بيئية واسعة.، فالبوري نفسه يتحرك ضمن النظام الغذائي البحري، بينما تلاحقه المفترسات، وتستفيد الطيور من الأسماك التي تصل إلى سطح الماء، وتتحرك أنواع أخرى معه في المسار نفسه.

وتكشف عودة الأسراب بأعداد كبيرة أيضًا كيف يمكن لتغيير واحد في إدارة الصيد أن ينعكس على النظام البيئي. فبعد عقود من الصيد المكثف، أصبحت هجرة البوري على سواحل فلوريدا واحدة من أكثر الهجرات البحرية وضوحًا وإثارة للمشاهدة في أميركا الشمالية.