سقوط الأسطورة.. كل الطرق لم تكن تؤدي إلى روما

«كل الطرق تؤدي إلى روما».. عبارة جرت على ألسنة الملايين لقرون طويلة، حتى رسخت في الذاكرة وكأنها حقيقة لا تقبل الشك، وتجسّد عظمة الإمبراطورية وعاصمتها الأسطورية، لكن دراسة حديثة جاءت لتقلب هذا الاعتقاد رأساً على عقب؛ فعندما أعاد العلماء فحص شبكة الطرق التي ربطت أرجاء الإمبراطورية الرومانية، ظهرت مفاجأة لافتة وهي أن روما لم تكن القلب الأكثر اتصالًا بشرايين إمبراطوريتها، خلافًا لما يوحي به المثل الشهير.

وكشف بحث جديد وموسع حول شبكة الطرق في الإمبراطورية الرومانية أن العديد من المدن الرومانية الأخرى كانت تتمتع بشبكة طرق أكثر اتصالًا من روما خلال العصور القديمة.

وكتب الباحثون في ورقة بحثية نُشرت في مجلة «Nature Communications» أن مدناً كبرى مثل أنطاكية، وأنقيرة التي تُعرف اليوم باسم أنقرة، وبيزنطة، إلى جانب كورنث في اليونان، كانت تتمتع بموقع أفضل من روما بالنسبة للمسافرين برا.

وأشار الباحثون إلى أن الإمبراطورية الرومانية، في أوج اتساعها عام 117 ميلاديًا، كانت تغطي نحو 2.1 مليون ميل مربع، أي ما يعادل 5.5 ملايين كيلومتر مربع، حول البحر الأبيض المتوسط، وتمتد على أجزاء واسعة من أوروبا والشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

وعلى مدى سنوات، عمل العلماء على إنشاء أطلس رقمي ضخم يحمل اسم «إيتينر-إي» (Itiner-e)، ويضم ما يقرب من 300 ألف كيلومتر من الطرق الرومانية. وفي الدراسة الجديدة، استخدم الباحثون هذه البيانات لحساب مدى جودة اتصال المدن الرومانية المختلفة بشبكة الطرق.

لكن المفاجأة أن «أهم طريق وسيط» في الإمبراطورية الرومانية برًا، وفقًا لما حددته الدراسة، لم يكن يمر عبر روما من الأساس.

وقال توم بروغمانز، الأستاذ المشارك في الدراسة وأستاذ علم الآثار الكلاسيكية في جامعة آرهوس بالدنمارك، لموقع "Live Science" إن هذا الطريق «يتبع الساحل الشمالي الإفريقي وساحل بلاد الشام مرورًا بأنطاكية وبالقرب من أنقرة، ثم يعبر إلى أوروبا عند القسطنطينية، ويمر عبر وادي بو وميلانو إلى فرنسا».

أما المدن الأخرى التي تمتعت باتصال جيد بشبكة الطرق، فكان وراء ذلك عدد من العوامل. فعلى سبيل المثال، كانت كورنث أكثر اتصالًا بالشبكة لأن الطرق التي تمر عبرها كانت تربط شبه جزيرة البيلوبونيز اليونانية ببقية مناطق اليونان، بينما كانت أنقرة أكثر اتصالًا لأنها شكلت مركزًا حيويًا للنقل في الأناضول.

ويرجح الباحثون أن موقع روما الجغرافي الفريد كان أحد الأسباب الرئيسية وراء عدم اتصالها بشبكة الطرق بالدرجة نفسها التي تمتعت بها تلك المدن.

وأوضح بروغمانز أن «شبه الجزيرة الإيطالية هي ملحق بشبكة طرق الإمبراطورية، وروما تقع في منتصف هذا الملحق». وأضاف: «عندما ننظر إلى جميع التحركات داخل شبه الجزيرة الإيطالية بأكملها، صُدمنا باكتشاف أن الطريق الأكثر مركزية يتبع في الواقع ساحل البحر الأدرياتيكي المقابل، متجاوزًا روما تمامًا».

ووجدت الدراسة أيضًا أن الطرق الرومانية كانت تميل إلى أن تكون مستقيمة عندما تسمح طبيعة الأرض بذلك، لكنها لم تكن مستقيمة بالدرجة نفسها التي تتميز بها الطرق الحديثة.