عالم ديناصورات وجاسوس وخاطف طائرات.. قصة بارون محاه التاريخ

لم يكن فرانز نوبكسا عالم حفريات عاديا؛ فقد بدأ شغفه بالديناصورات من جمجمة عثر عليها في ترانسيلفانيا، قبل أن يتحول خلال حياته إلى عالم رائد في دراسة الديناصورات، وجاسوس يعمل لصالح الإمبراطورية النمساوية المجرية، ومهرّب أسلحة للقوميين الألبان، بل وطرح نفسه ملكا محتملا لألبانيا.. ثم انتهت حياته بطريقة مأساوية عام 1933.

وُلد فرانتس نوبكسا عام 1877 في ديفا بترانسيلفانيا، التي كانت آنذاك جزءًا من الإمبراطورية النمساوية المجرية، وأصبح لاحقًا أحد رواد دراسة الأحياء القديمة وحفريات الديناصورات. بدأ اهتمامه بعلم الحفريات عام 1895، بعدما عثرت شقيقته إيلونا على حفريات في أراضي عائلتهما بترانسيلفانيا، ما دفعه إلى دراسة هذا المجال. التحق بجامعة فيينا، ونشر أبحاثه الأولى عن ديناصورات المنطقة في سن مبكرة، قبل أن يلفت الانتباه إلى الديناصورات صغيرة الحجم التي عاشت في منطقة هاتسيغ خلال العصر الطباشيري.

وخلص نوبكسا إلى أن صغر حجم بعض هذه الديناصورات ربما ارتبط بعيشها في بيئة جزيرية محدودة الموارد، وهي الفكرة التي ارتبطت لاحقًا بمفهوم «التقزم الجزيري». ولم تقتصر أبحاثه على الديناصورات، إذ درس الجيولوجيا والأنثروبولوجيا والزواحف القديمة، ووصف عددًا من الأنواع والأجناس الجديدة. ووفقًا لدراسة منشورة في مجلة The Anatomical Record، أسهمت أعمال نوبكسا في ترسيخ فهم أوسع لبيولوجيا الديناصورات وتطورها.

وفي مكتبة قلعة عائلته في ساسيل، بدأ نوبكسا تعليم نفسه الجيولوجيا وعلم وظائف الأعضاء والتشريح وعلم الأعصاب، ثم شرع في تحليل حفريات الديناصورات بطريقة مختلفة عن السائد في عصره. فلم يكتفِ بوصف العظام، بل حاول إعادة بناء الحيوان الذي كانت تنتمي إليه، مستفيدًا من مقارناتها بالكائنات الحية.

وسرعان ما طرح أفكارًا جريئة حول بيولوجيا الديناصورات. درس نموها وسلوكها، وتناول احتمالات رعاية صغارها، كما اقترح أن بعض الديناصورات ربما كانت من ذوات الدم الحار. وامتدت أفكاره إلى ظواهر مثل الاختلاف بين الجنسين في الديناصورات و«قاعدة الجزيرة»، التي تربط محدودية الموارد بتقلص أحجام الحيوانات عبر الأجيال. ويشير التقرير إلى أن أبحاثًا لاحقة دعمت عددًا من هذه الأفكار.

لكن حياة نوبكسا لم تتوقف عند المختبرات والحفريات. ففي عام 1906 التقى في بوخارست بالشاب الألباني بايزيد إلماز دودا، الذي أصبح سكرتيره ورفيقه. ومن خلال دودا، تعرّف نوبكسا إلى القضية القومية الألبانية، وسافر معه إلى ألبانيا، حيث وقع الاثنان لفترة وجيزة في الأسر على يد قطاع طرق.

وبعد ذلك انخرط نوبكسا في الحركة القومية الألبانية، وساعد في تهريب الأسلحة إلى المقاومة. ومع اندلاع حروب البلقان، عمل جاسوسًا لصالح النمسا-المجر. وعندما ظهرت ألبانيا كدولة مستقلة عام 1912، ذهب طموحه إلى أبعد من ذلك، إذ عرض نفسه ملكًا محتملًا للبلاد، واقترح الزواج من أمريكية ثرية لتأمين التمويل للدولة الجديدة، لكنه لم يصل إلى العرش.

وخلال الحرب العالمية الأولى، واصل نشاطه الاستخباراتي لصالح النمسا-المجر، كما قاد قوة من المتطوعين الألبان. وتصف المادة التي تستند إليها هذه القصة نوبكسا بأنه أصبح أول شخص في التاريخ يختطف طائرة، وهي من أكثر محطات حياته غرابة.

لكن الحرب قلبت حياته رأساً على عقب. فبعد هزيمة النمسا-المجر، أصبحت ترانسيلفانيا جزءًا من رومانيا، وفقد نوبكسا جزءًا كبيرًا من ثروته ومكانته الأرستقراطية. وتفاقمت أزماته المالية والنفسية خلال السنوات التالية.

وفي 25 أبريل 1933، أنهى نوبكسا حياته في شقته بفيينا، بعد أن أطلق النار على رفيقه وسكرتيره بايزيد إلماز دودا أثناء نومه، قبل أن ينتحر. وكان يبلغ من العمر 55 عاما، بحسب موقع «Popular Mechanics».

ورغم النهاية المأساوية، بقي أثر نوبكسا العلمي. فقد أسهمت أبحاثه في تطوير فهم بيولوجيا الديناصورات، وأطلق على المجال الذي عمل فيه اسم «علم وظائف الأعضاء القديمة»، وإن لم يترسخ هذا الاسم. ومع مرور العقود، تراجع حضوره أمام أسماء أخرى ارتبطت بتأسيس علم الأحياء القديمة، رغم أن بعض أفكاره العلمية بقيت حاضرة في الأبحاث الحديثة.