كلمة واحدة تغير كل شيء.. ماذا يحدث عندما يقول الطيار "ماي داي"؟

في عالم الطيران، لا تترك الاتصالات اللاسلكية المهمة للمصادفة، فكلمات تبدو للراكب عادية أو غامضة، مثل Mayday وPan-Pan، وأرقام مثل 7500 و7600 و7700، تشكل جزءا من منظومة دقيقة للتعامل مع حالات الطوارئ والاستعجال وفقدان الاتصالات والتدخل غير المشروع.

وعلى خلاف الانطباع الذي قد يوحي به بعض الاستخدام الإعلامي للكلمة، فإن إعلان Mayday يمنح الطائرة التي تواجه حالة استغاثة أولوية مطلقة على الاتصالات الأخرى على التردد المستخدم، فيما يتولى المراقبون تنظيم الحركة الجوية بما يتناسب مع الحالة.

وتوضح إدارة الطيران الفيدرالية الأمريكية (FAA) أن اتصالات الاستغاثة لها أولوية مطلقة، وأن كلمة Mayday تفرض صمتا لاسلكيا على التردد المستخدم لمنع التشويش على الطائرة المتضررة.

Mayday.. عندما يصبح الخطر وشيكا

تستخدم Mayday عندما تكون الطائرة في حالة استغاثة أو خطر شديد ووشيك يستدعي مساعدة فورية، أي عندما يواجه الطاقم خطرا جسيما وفوريا يحتاج إلى مساعدة عاجلة.

وتوصي الإجراءات الجوية بأن يبدأ نداء الاستغاثة بكلمة Mayday، ويفضل تكرارها ثلاث مرات، وبعدها يقدم الطاقم، بحسب ما تسمح به الظروف والوقت، المعلومات اللازمة للمراقبين، ومنها هوية الطائرة ونوعها وطبيعة المشكلة وموقعها وارتفاعها واتجاهها ونيات الطاقم وطلبه، إضافة إلى معلومات أخرى مثل الوقود وعدد الأشخاص على متن الطائرة.

ولا يعني ذلك أن الطيار مطالب بإلقاء قائمة طويلة من المعلومات قبل التعامل مع الخطر، فالإجراءات نفسها تتيح تقديم "ما يلزم" من البيانات وفقا للظروف.

وتؤكد وثائق منظمة الطيران المدني الدولي ICAO كذلك استخدام إشارات Mayday وPan-Pan، ويفضل نطق كل منهما ثلاث مرات عند استخدامها عبر الاتصالات الصوتية.

Pan-Pan.. طوارئ لكن ليست استغاثة

أما Pan-Pan فتشير إلى حالة طوارئ، أي وجود مشكلة أو ظرف يستدعي اهتماما عاجلا، لكنه لا يصل إلى مستوى الخطر الجسيم والوشيك الذي يستدعي Mayday.

وتمنح Pan-Pan الاتصال أولوية على الاتصالات العادية، لكنها تظل أدنى من Mayday، كما أنها تنبه المحطات الأخرى إلى عدم التدخل في الاتصال الجاري.

وقد تستخدم هذه العبارة في حالات متعددة تختلف باختلاف الظروف، مثل مشكلة فنية لا تهدد الطائرة بصورة فورية، أو حالة طبية تستدعي اهتماما عاجلا، أو وضع يتطلب من المراقبين التعامل مع الرحلة بصورة مختلفة عن التشغيل المعتاد.

أرقام لا يسمعها الركاب.. لكنها تتحدث إلى المراقبين

ولا تعتمد منظومة الطوارئ الجوية على الكلمات فقط. فعلى لوحة أجهزة الطائرة يوجد جهاز Transponder يمكنه إرسال رموز رقمية خاصة إلى أنظمة المراقبة الجوية. ومن أشهر هذه الرموز:

7500: يشير إلى التدخل غير المشروع، ويُستخدم في حالات مثل اختطاف الطائرة.

7600: يشير إلى فقدان الاتصال اللاسلكي ثنائي الاتجاه.

7700: يشير إلى حالة طوارئ عامة.

وتستخدم هذه الأكواد لتزويد مراقبي الحركة الجوية بمعلومة سريعة عن طبيعة الحالة، حتى عندما يكون الاتصال الصوتي صعبا أو غير متاح.

وتظهر هذه الأكواد في الإجراءات الجوية الدولية، بينما توضح FAA استخداماتها في إجراءات الطوارئ والمراقبة.

لكن اختيار 7500، على سبيل المثال، لا يعني أن المراقب يفترض تلقائيا أن الاختطاف مؤكد، إذ توجد إجراءات للتعامل مع احتمال اختيار الرمز بصورة غير مقصودة والتحقق من الحالة.

سولي ونهر هدسون.. عندما لم تكن الكلمات وحدها كافية

ومن أشهر الأمثلة على اتصالات الطوارئ في تاريخ الطيران الحديث رحلة US Airways 1549.

في 15 يناير 2009، فقدت طائرة Airbus A320 معظم قوة الدفع في محركيها بعد اصطدامها بسرب من الطيور عقب إقلاعها من مطار لاغوارديا في نيويورك.

وأظهرت التحقيقات الرسمية أن الطائرة انتهت إلى الهبوط على نهر هدسون، وتمكن جميع من كانوا على متنها، وعددهم 155 شخصا، من النجاة من الحادث.

لكن الحادث يكشف أيضا أن الاتصال اللاسلكي ليس نظاما معصوما من التشويش، فقد أوضح سجل التحقيق أن محاولة قائد الطائرة إعلان حالة Mayday تعرضت للحجب بسبب بث آخر على التردد في ذلك الوقت.

وهنا تظهر أهمية وجود منظومة متعددة الطبقات تشمل الاتصال الصوتي، وأجهزة الإرسال والاستقبال، والـtransponder، وأنظمة المراقبة والإجراءات التي يتبعها الطاقم والمراقبون.

تينيريفي.. درس دموي في أهمية التواصل

وتعود أهمية اللغة والإجراءات القياسية في الطيران إلى سلسلة طويلة من الحوادث التي أظهرت مخاطر الالتباس وسوء الفهم.

ومن أبرزها كارثة تينيريفي في إسبانيا عام 1977، عندما اصطدمت طائرتا بوينغ 747 على مدرج المطار، في حادث أودى بحياة 583 شخصا، ولا يزال مصنفا باعتباره أكثر حوادث الطيران دموية من حيث عدد الوفيات في حادث واحد.

وأصبحت سلامة المدارج والاتصالات الواضحة بين الطيارين والمراقبين من القضايا الرئيسية في تطوير إجراءات السلامة الجوية، مع التركيز على منع سوء الفهم وعدم افتراض حصول الطائرة على تصريح لم تحصل عليه فعليا.