لم يكن علماء الآثار الذين يعملون في منطقة الشيخ عبد القرنة بالأقصر في صعيد مصر يبحثون عن مقبرة جديدة عندما بدأوا أعمالهم، بل كانوا يحاولون حماية المقابر والمعالم الأثرية الموجودة بالفعل من مياه السيول. لكن المهمة تحولت إلى اكتشاف أثري غير متوقع، بعدما قادت أعمال إزالة الركام وتحويل مسارات المياه إلى مدخل مقبرة لم تكن موثقة من قبل.
وتقع المقبرة في جبانة طيبة على الضفة الغربية لنهر النيل، مقابل مدينة الأقصر الحديثة، وهي منطقة تضم عددًا كبيرًا من مقابر النخبة المصرية القديمة، بينها وادي الملوك ووادي الملكات. ويعمل الفريق في المنطقة منذ عام 2018 بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار المصرية، ضمن جهود تهدف إلى الحد من تأثير السيول المفاجئة على المواقع الأثرية.
وعندما ظهر مدخل المقبرة، لم يكن واضحًا ما ينتظر الباحثين في الداخل، إذ كان عليهم معرفة ما إذا كانت المقبرة قد تعرضت للنهب أو انهارت أجزاء منها. لكن الغرف كشفت عن مبنى يتوافق مع طراز مقابر النخبة في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، يضم فناءً خارجيًا ومقصورة منحوتة في الصخر وحجرات دفن تحت الأرض.
أما المفاجأة الأبرز فكانت على جدران المقصورة، حيث ظهرت رسومات ملونة تصور صاحب المقبرة وزوجته في مشاهد دينية، إلى جانب مائدة تحمل قرابين من الطعام. وتشير أساليب الرسم والرموز المستخدمة إلى أن المقبرة تعود إلى العصر الرعامسي، بين نحو 1292 و1069 قبل الميلاد.
وتشير القراءة الأولية للرسومات إلى أن صاحب المقبرة كان مسؤولًا بارزًا يُدعى «باسر». غير أن تفاصيل هويته وقصة المقبرة لا تزال بحاجة إلى مزيد من البحث، خصوصًا أن أجزاء من الرسومات ما زالت مغطاة بالأتربة، ومن المنتظر أن تكشف أعمال التنظيف والترميم معلومات إضافية.
ولا تكمن أهمية الاكتشاف في قدم المقبرة وحده، إذ يأمل الباحثون أن تساعد في فهم أسباب اختيار المسؤولين في العصر الرعامسي مواقع معينة للدفن، وعلاقة المقابر الجديدة بالمقابر والمنشآت الأقدم، ودور طرق المواكب والعائلات والأهمية الدينية في تحديد مواقعها.
ولا تتوقف أهمية المقبرة عند ما تكشفه من تفاصيل عن صاحبها والعصر الذي عاش فيه، إذ يمكن أن تساعد دراسة الموقع ورسوماته في فهم طبيعة المدافن التي شُيدت في هذه المنطقة خلال العصر الرعامسي، وكيف اختار المسؤولون مواقع دفنهم بالقرب من مقابر ومنشآت أقدم. ويواصل الباحثون أعمال التنظيف والترميم للكشف عن مزيد من التفاصيل التي لا تزال مخفية تحت طبقات الأتربة، في انتظار ما قد تكشفه المقبرة عن تاريخ المنطقة وأصحابها.



