لا يعرفه أحد.. الصين تراهن بمليارات الدولارات على علم غامض

تخوض الصين والولايات المتحدة سباقا تكنولوجيا متصاعدا لا يقتصر على الذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات، بل يمتد إلى مجال علمي أقل شهرة قد يكون له دور حاسم في تحديد شكل التكنولوجيا العالمية خلال السنوات المقبلة، وهو علم القياس الكمي.

ويختص هذا المجال باستخدام مبادئ فيزياء الكم للوصول إلى مستويات فائقة من الدقة في القياس، بما يتجاوز قدرات تقنيات القياس التقليدية، ورغم أن هذا العلم لا يحظى بالاهتمام الإعلامي الذي تحظى به تقنيات الذكاء الاصطناعي، فإنه يشكل عنصرا أساسيا في عدد من القطاعات التكنولوجية المتقدمة.

قياسات فائقة الدقة

تعتمد تقنيات عديدة على عمليات قياس شديدة الدقة، من الهواتف الذكية والأقمار الصناعية إلى الأجهزة الطبية والرقائق الإلكترونية.

وتتيح تقنيات القياس الكمي تطوير جيروسكوبات عالية الدقة يمكن أن توفر قدرات متقدمة للملاحة دون الاعتماد الكامل على نظام تحديد المواقع العالمي (GPS)، فضلا عن الساعات الذرية المستخدمة في مزامنة شبكات الاتصالات، والمستشعرات الكمية القادرة على رصد تغيرات بالغة الصغر في المواد على المستوى النانوي.

وتكتسب هذه القدرات أهمية خاصة في صناعة أشباه الموصلات، حيث تتطلب عمليات تصنيع الترانزستورات والدوائر المتكاملة دقة متناهية، وأي خطأ بالغ الصغر في القياسات أو المعايرة يمكن أن يؤدي إلى خسائر كبيرة في عمليات البحث والتطوير والتصنيع.

استراتيجية صينية لتعزيز الاستقلال التكنولوجي

وفي إطار مساعيها لتعزيز استقلالها التكنولوجي، أطلقت الصين استراتيجية تمتد لخمس سنوات تهدف إلى تطوير قدراتها في مجال القياس الكمي وترسيخ موقعها في وضع المعايير الدولية المرتبطة بهذه التقنيات.

وتشمل الاستراتيجية دعم الأبحاث الأساسية، وربطها بالتطبيقات الصناعية والإنتاج واسع النطاق، إلى جانب تعزيز دور الصين في وضع المعايير الدولية الخاصة بتقنيات القياس الكمي.

ويعكس هذا التوجه رغبة بكين في بناء منظومة تكنولوجية متكاملة تمتد من المختبرات ومراكز الأبحاث إلى خطوط الإنتاج، بدلا من التركيز على تطوير تقنيات منفردة بمعزل عن بقية المنظومة الصناعية.

ومن بين التقنيات التي تحظى بالاهتمام أمشاط التردد البصرية المصغرة، التي تتيح قياس ترددات الضوء بدرجات عالية جدا من الدقة، وتعد من التقنيات المهمة في مجالات القياس والاتصالات والاستشعار المتقدم.

سباق يتجاوز التجارة

ويأتي التركيز الصيني على علم القياس الكمي في وقت تشهد فيه العلاقات التكنولوجية بين بكين وواشنطن توترا متزايدا، خصوصا مع القيود الأمريكية المفروضة على تصدير بعض التقنيات المتقدمة وأشباه الموصلات إلى الصين.

ويرى خبراء أن هذا التنافس لا يتعلق فقط بالوصول إلى المنتجات والتقنيات المتقدمة، وإنما يمتد إلى القدرة على وضع المعايير التي تحكم استخدامها عالميا.

وفي المقابل، بدأت الولايات المتحدة أيضا في إدراج تقنيات القياس الكمي ضمن برامجها الاستراتيجية لدعم صناعة أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة، ما يعكس الأهمية المتزايدة لهذا المجال في المنافسة التكنولوجية بين البلدين.

قطاعات حيوية على المحك

ولا يقتصر تأثير القياس الكمي على صناعة الإلكترونيات، إذ يمكن أن تمتد تطبيقاته إلى مجموعة واسعة من القطاعات، من بينها:

• الدفاع: عبر تطوير مستشعرات وأنظمة ملاحة فائقة الدقة.

• الفضاء والطيران: من خلال قياس المواد والأنظمة بمستويات عالية من الدقة.

• الاتصالات: خصوصا مع الحاجة إلى مزامنة شديدة الدقة للترددات في شبكات الجيل السادس (6G).

• الطب: عبر تطوير أجهزة قياس وتشخيص أكثر دقة.

• مراقبة المناخ: باستخدام أجهزة قادرة على إجراء قياسات دقيقة للمتغيرات البيئية.

• صناعة الرقائق: حيث تمثل القياسات فائقة الدقة عنصرا أساسيا في عمليات التصنيع المتقدمة.

من يضع معيار القياس يملك نفوذا تقنيا

ويشير هذا السباق إلى أن المنافسة التكنولوجية بين القوى الكبرى قد تنتقل تدريجيا من مجرد تطوير المنتجات إلى السيطرة على البنية العلمية والمعايير التي تقوم عليها تلك المنتجات.

فامتلاك قدرات متقدمة في القياس لا يعني فقط القدرة على تصنيع تقنيات أكثر دقة، بل يمكن أن يمنح الدولة نفوذا في تحديد المعايير التي تعتمدها الصناعات والأسواق حول العالم.

وبينما تتسابق الصين والولايات المتحدة لتعزيز قدراتهما في هذا المجال، قد يصبح علم القياس الكمي أحد ميادين المنافسة الأكثر أهمية في التكنولوجيا العالمية، رغم بقائه بعيدا نسبيا عن دائرة اهتمام الجمهور.

وفي حال تمكنت الصين من تحقيق أهدافها، فقد لا تقتصر نتائج استثماراتها على تطوير تقنيات جديدة، بل قد تمتد إلى التأثير في المعايير الصناعية والتكنولوجية التي ستحدد ملامح الاقتصاد الرقمي في المستقبل.