قد تبدو الأريكة التي لا تتأثر بالبقع والماء والخدوش خيارًا مثاليًا للمنزل، خصوصًا للعائلات التي لديها أطفال أو حيوانات أليفة. لكن الميزة التي تجعل بعض الأقمشة شديدة التحمل وسهلة التنظيف تثير سؤالًا آخر: ما المواد الكيميائية التي تجعلها بهذه القوة؟
لكن المتانة التي تبدو ميزة في الأريكة قد تخفي جانبًا آخر؛ إذ سلطت صحيفة «واشنطن بوست» الضوء على مواد كيميائية مثيرة للقلق قد تدخل في تصنيع بعض الأقمشة المقاومة للبقع والتلف.
السر في القماش «المقاوم لكل شيء»
تستخدم صناعة الأثاث ما يعرف بأقمشة الأداء أو Performance Fabrics، وهي أقمشة تُصمم لتحمل الاستخدام الكثيف ومقاومة الماء والزيوت والبقع، مع الحفاظ على مظهرها لفترات طويلة.
لكن بعض تقنيات مقاومة البقع والماء ارتبطت باستخدام مركبات PFAS، وهي عائلة كبيرة من المواد الكيميائية الصناعية التي تتميز بقدرتها العالية على مقاومة الحرارة والماء والزيوت.
وتكمن المشكلة الرئيسية في أن بعض مركبات هذه العائلة شديدة الاستمرارية؛ ولذلك اكتسبت لقب «المواد الكيميائية الأبدية»، لأنها لا تتحلل بسهولة وتستطيع البقاء لفترات طويلة في البيئة.
لماذا تستخدم أصلًا؟
السبب ليس جعل الأثاث «سامًا»، بل منحه خصائص عملية مرغوبة: أن تسقط القهوة على الأريكة من دون أن تتشربها فورًا، وأن يكون تنظيفها أسهل، وأن تتحمل الاستخدام اليومي لسنوات.
لكن مع تزايد الاهتمام بتأثير بعض المواد الكيميائية المستخدمة في المنتجات الاستهلاكية، بدأ السؤال يتحول من «كم ستدوم الأريكة؟» إلى «ما الذي يجعلها تدوم كل هذه المدة؟»
وتظهر أهمية هذا النقاش خصوصًا لأن الإنسان يقضي ساعات طويلة على الأثاث المنزلي، ويتلامس الجلد مباشرة مع الأقمشة، بينما يمكن لبعض المواد الكيميائية الموجودة في المنتجات المنزلية أن تنتقل إلى الغبار والبيئة المحيطة.
ليست كل الأقمشة المتينة خطرة
وهنا يجب الانتباه إلى نقطة مهمة وهي أنه لا يعني كون القماش مقاومًا للبقع أو شديد التحمل أنه يحتوي بالضرورة على PFAS، ولا يعني وجود مادة كيميائية معينة أن التعرض لها من أريكة بعينها سيؤدي حتمًا إلى مرض.
بل إن صناعة الأثاث بدأت بالفعل في تطوير أقمشة مقاومة للبقع والماء من دون استخدام PFAS، ما يعني أن المتانة والسلامة الكيميائية ليستا بالضرورة خيارين متعارضين.
كما أن تقييم الخطر يعتمد على نوع المادة وتركيزها وطريقة التعرض ومدة التعرض.
ماذا عن مثبطات اللهب؟
القصة لا تتوقف عند الأقمشة المقاومة للبقع، فالأثاث المنجد يمكن أن يحتوي أيضًا على مواد مثبطة للهب، وهي مواد تضاف بهدف تقليل قابلية اشتعال بعض المنتجات أو إبطاء انتشار النار.
وهنا توجد مفارقة علمية مهمة، هذه المواد قد تحقق فائدة تتعلق بالسلامة من الحرائق، لكنها في الوقت نفسه أثارت مخاوف صحية وبيئية بشأن بعض أنواعها.
وأظهرت دراسة حديثة أن استخدام «الميلامين» كمثبط للهب في الأرائك لم يُظهر تأثيرات سامة كبيرة في النموذج الذي اختبره الباحثون، مقارنة بالمخاطر التي قد تنجم عن احتراق الأثاث، ما يشير إلى أن تقييم هذه المواد يعتمد على نوعها وطريقة استخدامها، وليس مجرد وجود مادة كيميائية فيها.
وفي بريطانيا، طرحت الحكومة خلال 2026 إصلاحات لقواعد سلامة الأثاث المنجد بهدف الحفاظ على مستوى مرتفع من الحماية من الحرائق، مع تقليل الاعتماد على مثبطات اللهب الكيميائية، مشيرة إلى المخاوف الصحية والبيئية المرتبطة بالاستخدام المكثف لبعض هذه المواد.
هل يجب التخلص من الأريكة؟
القصة لا تعني أن كل أريكة متينة داخل المنزل تشكل خطرًا صحيًا، ولا أن شراء أريكة جديدة سيؤدي تلقائيًا إلى التعرض لمستويات خطرة من المواد الكيميائية. لكنها تعني أن عبارة «مقاوم للبقع» أو «شديد التحمل» لا تخبرك بكل شيء عن المنتج.
وعند شراء أثاث جديد، يمكن للمستهلك البحث عن الشركات التي تعلن بوضوح أن أقمشتها خالية من PFAS، والتحقق من الشهادات المتعلقة بالمواد والانبعاثات، وعدم الاكتفاء بعبارات تسويقية عامة مثل «صديق للبيئة» أو «آمن».
المفارقة أن التكنولوجيا التي جعلت الأريكة أكثر ملاءمة للحياة اليومية قد تكون هي نفسها التي فتحت بابًا جديدًا للأسئلة الصحية والبيئية. فكلما أصبحت الأقمشة أكثر مقاومة للماء والبقع والتلف، أصبح من المهم أيضًا معرفة كيف حصلت على هذه الخصائص.
لذلك، قبل شراء أريكة جديدة، لا تسأل فقط: كم ستدوم؟ بل اسأل أيضًا: ما المواد التي تحتوي عليها؟




