تعود سمكة المجداف العملاقة، المعروفة باسم Oarfish، إلى واجهة الاهتمام كلما ظهرت بشكل نادر بالقرب من سطح البحر أو جرفتها الأمواج إلى الشواطئ، ويطلق عليها البعض اسم "سمكة يوم القيامة" بسبب أسطورة يابانية قديمة تربط ظهورها بقرب وقوع الزلازل والتسونامي.
وتعيش سمكة المجداف في أعماق البحار، ويمكن أن يصل طولها إلى أكثر من 10 أمتار، الأمر الذي يجعل مشاهدتها في المياه الضحلة أو على الشواطئ حدثا نادرا ولافتا.
وقد ارتبطت في الفولكلور الياباني باسم "رسول قصر إله البحر"، في إشارة إلى الاعتقاد بأنها تصعد من الأعماق لتحذير البشر من الكوارث الوشيكة.
ظهور السمكة قبل الزلازل
ازدادت شهرة هذه الأسطورة بعد تكرار بعض الحالات التي ظهر فيها الـOarfish قبل زلازل قوية.
وقبل زلزال وتسونامي توهوكو المدمر في اليابان عام 2011، أُبلغ عن ظهور نحو 20 سمكة مجداف على الشواطئ اليابانية، كما سجلت حالات أخرى تزامن فيها ظهور هذه الأسماك مع زلازل في مناطق مختلفة من العالم.
وفي أغسطس 2024، عُثر على سمكة مجداف بطول نحو 3.7 أمتار بالقرب من سان دييغو في كاليفورنيا، وبعد يومين وقع زلزال بقوة 4.4 درجات في منطقة لوس أنجلوس، وتحدثت تقارير مؤخراً عودة السمكة للظهور على الشواطئ في دول شرق آسيا تزامناً من فيضانات نيبال والتبت ما أثار الرعب في نفوس السكان، وقد أعاد هذا التزامن إشعال النقاش حول ما إذا كانت السمكة قادرة على استشعار النشاط الزلزالي مسبقا.
هل توجد آلية علمية محتملة؟
يرى بعض الباحثين أن وجود علاقة بيولوجية محتملة لا يمكن استبعادها نظريا بشكل كامل.
وقد طُرحت فرضيات تقول إن التغيرات التي تحدث في الصخور قبل بعض الأحداث الزلزالية يمكن أن تؤدي إلى تغيرات كهربائية وكيميائية في المياه، وربما تؤثر هذه التغيرات في الكائنات التي تعيش في أعماق البحار.
وفي عام 2017، أشارت عالمة الأحياء راشيل غرانت إلى أن حدوث مثل هذا التأثير "ممكن من الناحية النظرية"، واقترحت أن الأيونات الناتجة عن الضغوط في الصخور قد تؤدي إلى تفاعلات كيميائية في مياه البحر يمكن أن تؤثر في الأسماك، إلا أن هذه الفكرة بقيت في إطار الفرضية ولم تتحول إلى دليل على قدرة السمكة على التنبؤ بالزلازل.
دراسة علمية تضعف الأسطورة
لكن الدراسة العلمية الأهم في هذا المجال جاءت بنتيجة مختلفة. ففي عام 2019، درس باحثون العلاقة بين ظهور أسماك أعماق البحار، ومن بينها الـOarfish، وبين الزلازل في اليابان، وشملت البيانات 336 حالة ظهور للأسماك و221 زلزالا.
وبعد تحليل العلاقة الزمنية والمكانية بين الظاهرتين، وجد الباحثون أن الارتباط كان ضعيفا للغاية، ولم يتمكنوا من إثبات وجود علاقة ذات دلالة تسمح باستخدام ظهور هذه الأسماك كمؤشر على زلزال قادم.
وخلصت الدراسة إلى أن الربط المتداول بين الظاهرتين يمكن أن يكون نتيجة "ارتباط وهمي".
"سمكة يوم القيامة".. أسطورة أكثر منها نظام إنذار
ورغم استمرار تداول قصص ظهور الـOarfish قبل الزلازل، يؤكد الخبراء أن الأدلة العلمية المتوفرة حاليا لا تسمح باعتبار السمكة جهاز إنذار طبيعيا للكوارث.
وفي 2025، أكدت وكالة فرانس برس، نقلا عن خبراء، عدم وجود بيانات علمية تثبت أن ظهور الـOarfish ينذر بالزلازل أو التسونامي، مشيرة إلى أن دراسة علمية وصفت العلاقة المزعومة بين أسماك أعماق البحار والكوارث الطبيعية بأنها "ارتباط وهمي".
وهكذا تبقى "سمكة يوم القيامة" واحدة من أكثر الكائنات البحرية إثارة للغموض والفضول، فظهورها النادر، وحجمها الاستثنائي، وطبيعتها الغامضة التي تجعلها تعيش بعيدا عن أعين البشر، كلها عوامل ساهمت في بناء الأسطورة حولها.
أما علميا، فلا تزال الإجابة الأقرب إلى الدقة هي أن ظهور سمكة المجداف قد يتزامن أحيانا مع زلزال، لكن لا يوجد حتى الآن دليل موثوق يثبت أنها تستطيع التنبؤ به أو بالكوارث الطبيعية قبل وقوعها.
