قبل عقود، كان التخلص من النفايات المشعة يمثل مشكلة تبحث الدول عن طريقة للتعامل معها. وفي ذلك الوقت، بدا أن أعماق المحيط يمكن أن توفر حلًا بسيطًا، وهو إبعاد هذه المواد عن اليابسة وإغراقها في قاع البحر، حيث يُعتقد أن عمق المياه وعزلة الموقع سيمنعانها من الوصول إلى البشر والبيئة.
وبين عامي 1950 و1990، أُلقي نحو 200 ألف برميل من النفايات المشعة منخفضة المستوى في شمال شرق المحيط الأطلسي. كانت البراميل تحتوي على مخلفات ناتجة عن أنشطة نووية، وكان الاعتقاد السائد آنذاك أن الحاويات ستبقى مغلقة بما يكفي لعزل محتوياتها عن المحيط لفترات طويلة.
ماذا حدث للبراميل؟
مع مرور العقود، بدأت بعض البراميل تتعرض للتآكل بفعل البيئة البحرية القاسية. فبعد سنوات طويلة في قاع المحيط، لم تعد الحاويات في حالتها الأصلية، وأظهرت عمليات الاستكشاف أن بعضها تعرض للتلف، بينما تسربت كميات من محتوياته إلى المياه والرواسب المحيطة، ودفع ذلك العلماء إلى العودة إلى موقع التخلص منها في أعماق الأطلسي، لدراسة البراميل والبيئة المحيطة بها، وتتبع كيفية انتقال المواد المشعة وتأثيرها المحتمل في النظام البيئي البحري.
وفي مايو الماضي، انطلقت بعثة مشروع «نودسوم» (NODSSUM)، بقيادة المركز الوطني الفرنسي للبحث العلمي، لدراسة البراميل والبيئة المحيطة بها. وشارك نحو 30 عالمًا في المهمة على متن السفينة الفرنسية «Pourquoi Pas?»، مستخدمين الغواصة المأهولة «نوتيل» للوصول إلى القاع.
ونفذ الفريق 20 غطسة إلى أعماق تجاوزت 4700 متر، حيث جرى تصوير البراميل وفحص حالتها وجمع عينات من المياه والرواسب والكائنات البحرية الموجودة بالقرب منها.
سجل العلماء بالفعل مستويات إشعاع أعلى من الخلفية الطبيعية في بعض المناطق، لكن المستويات بقيت منخفضة إجمالًا، ولم تظهر القياسات الميدانية دليلًا على حدوث تلوث إشعاعي واسع النطاق في المنطقة. وهذا يعني أن وجود تسرب من بعض البراميل لا يعني أن المحيط بأكمله أصبح ملوثًا أو أن هناك كارثة إشعاعية واسعة النطاق. لكن انخفاض الإشعاع لا يعني أن العلماء أغلقوا الملف.
فالخطر الذي يريد الباحثون فهمه لا يتعلق فقط بكمية الإشعاع الموجودة الآن، وإنما بمسار المواد المشعة بعد خروجها من البراميل، هل تظل عالقة في الرواسب؟ هل تنتقل مع المياه؟ وهل تمتصها الكائنات البحرية التي تعيش بالقرب من الموقع؟
ولهذا جُمعت عينات من المياه والرواسب والكائنات البحرية، على أن تخضع لتحاليل مخبرية دقيقة لتحديد كيفية تحرك المواد المشعة داخل هذه البيئة.
الحياة البحرية فوق البراميل
ومن أكثر المشاهد إثارة التي كشفتها الغواصات أن بعض البراميل لم تكن مجرد أجسام مهجورة في قاع البحر. فقد ظهرت كائنات بحرية تنمو فوق عدد منها، لتتحول الأسطح المعدنية للبراميل، رغم كونها نفايات بشرية، إلى موطن تستقر عليه أشكال من الحياة البحرية.
وهذه الصور لا تعني أن البراميل أصبحت آمنة أو أن التلوث غير موجود، لكنها تظهر مدى قدرة الكائنات البحرية على استعمار الأسطح والهياكل الموجودة في أعماق المحيط، كما تمنح العلماء فرصة لدراسة العلاقة بين المخلفات البشرية والبيئة المحيطة بها على مدى زمني طويل.
لماذا لم يتوقف الأمر عند هذه البراميل؟
قصة النفايات المشعة ليست حالة معزولة. فأعماق المحيطات تحتوي على آثار كثيرة لأنشطة بشرية قديمة، بعضها لم يُكتشف إلا بعد عقود. وفي إحدى عمليات الاستكشاف، قادت إشارات السونار الباحثين إلى ما بدا أنه حطام سفينة، لكن الغوص كشف مفاجأة مختلفة، كانت هناك غسالات داخل حاوية شحن وصلت إلى قاع البحر، وفقا لموقع "iflscience".
فيديو
وفي موقع آخر قبالة سواحل لوس أنجلوس، درس الباحثون البيئة المحيطة ببراميل تحتوي على مواد كيميائية أُلقيت في البحر، في محاولة لفهم تأثير هذه المخلفات على النظام البيئي المحيط بها.
هذه الاكتشافات تكشف مشكلة أكبر من مجرد وجود براميل في قاع المحيط، ما نلقيه في البحر لا يختفي بالضرورة، فقد تتآكل الحاويات، وتتحرر المواد التي بداخلها، وتدخل أجزاء منها في الرواسب أو المياه أو السلسلة الغذائية، بينما تبقى آثار أخرى مدفونة في القاع لعقود طويلة.
