عاشت فوق شجرة 449 يوماً.. قصة المرأة التي تحدّت الجميع


في قلب غابات تسمانيا الأسترالية، اتخذت امرأة قرارا غيّر حياتها، وحوّل شجرة واحدة إلى رمز عالمي للدفاع عن البيئة. ففي ديسمبر 2011، تسلقت الناشطة البيئية ميراندا جيبسون شجرة شاهقة في غابة تايينا، وأعلنت أنها لن تنزل منها حتى تحصل الغابة على الحماية.

استمر اعتصامها 449 يوما على منصة صغيرة ترتفع نحو 60 مترا فوق الأرض، لتسجل أحد أطول الاحتجاجات البيئية في تاريخ أستراليا، بينما تابع الآلاف حول العالم تفاصيل حياتها اليومية ورسائلها التي بثتها مباشرة من قلب الغابة.

لم تنشأ جيبسون وسط الغابات أو الحياة البرية، بل أمضت طفولتها في مدينة إيبسويتش بولاية كوينزلاند، وكانت تصف نفسها بأنها طفلة حذرة لا تحب حتى تسلق بيوت الأشجار.

لكن اهتمامها بالبيئة بدأ خلال سنوات الدراسة، عندما تعرفت إلى حملات مناهضة قطع الأشجار في تسمانيا. وخلال زيارة إلى وادي فلورنتين العلوي، شاهدت جذع شجرة عملاقة بعد قطعها، وهو مشهد ترك أثرًا عميقًا في نفسها ودفعها إلى تكريس حياتها للدفاع عن الغابات القديمة.

ومع مرور الوقت، بدأت تشارك في الاحتجاجات خلال عطلاتها، قبل أن تنتقل للعيش في تسمانيا والعمل مع الناشطين البيئيين.

فكرة غير مألوفة

بعد سنوات من الاحتجاجات، شعرت جيبسون أن الأساليب التقليدية لم تعد كافية لوقف إزالة الغابات، فبحثت عن وسيلة تجعل العالم يشاهد ما يحدث.

وجاءت الفكرة عندما اكتشفت وجود اتصال بالإنترنت داخل إحدى المناطق المهددة بقطع الأشجار، فقررت اعتلاء شجرة وبث حياتها اليومية مباشرة من هناك، لتسلط الضوء على ما تتعرض له الغابات.

وفي 14 ديسمبر 2011، صعدت إلى منصة خشبية صغيرة لا يتجاوز عرضها نحو متر ونصف، وأعلنت أنها ستبقى هناك حتى تحصل الغابة على الحماية.

حياة قاسية

لم يكن العيش فوق الشجرة سهلًا. فقد كانت تقيم داخل خيمة صغيرة لا توفر سوى قدر محدود من الحماية من أمطار تسمانيا ورياحها وبردها، فيما أصبحت العواصف جزءًا من روتينها اليومي.

واعتمدت على ألواح شمسية لتشغيل جهاز الكمبيوتر الذي استخدمته للتواصل مع مؤيديها ونشر آخر المستجدات، بينما حافظت على نشاطها بممارسة اليوغا واستخدام جهاز مشي صغير،بحسب تقرير لهيئة الإذاعة الأسترالية الوطنية ABC..

وكان فريق دعم يتولى نقل المياه والطعام سيرًا على الأقدام عبر تضاريس وعرة، كما كان مسؤولًا عن التخلص من النفايات وتلبية احتياجاتها الأساسية.

ورغم هذه المساعدة، بقيت العزلة أصعب ما واجهته. فبينما كانت رسائل الدعم تصلها من مختلف أنحاء العالم، أمضت أيامها وحيدة فوق منصة صغيرة وسط الغابة.

مع اتساع الاهتمام الإعلامي، تحولت قضية غابات تسمانيا إلى محور نقاش دولي، وساهمت التغطية المستمرة في زيادة الضغوط لحماية المناطق القديمة من قطع الأشجار.

وفي أوائل عام 2013، أعلنت الحكومة الأسترالية ترشيح نحو 170 ألف هكتار من غابات تسمانيا لإدراجها ضمن مواقع التراث العالمي، في خطوة اعتبرها المدافعون عن البيئة إنجازًا كبيرًا.

كانت جيبسون تأمل البقاء على الشجرة حتى اعتماد القرار رسميًا، لكن اندلاع حريق غابات قريب أجبرها على إنهاء اعتصامها قبل ذلك، بعدما أصبحت الظروف تشكل خطرًا مباشرًا على حياتها.

لم تكن حياة ميراندا جيبسون فوق الشجرة مجرد جلوس على غصن مرتفع، بل كانت تقيم على منصة خشبية صغيرة بُنيت حول جذع شجرة عملاقة على ارتفاع يقارب 60 مترا عن الأرض. ورغم تجهيز المكان ببعض الضروريات، بقيت حياتها اليومية مليئة بالتحديات بسبب صغر المساحة وقسوة الطقس في غابات تسمانيا.

الطعام والمياه

اعتمدت جيبسون على فريق دعم كان موجودًا على الأرض لتوفير احتياجاتها الأساسية. وكان أفراد الفريق ينقلون إليها الطعام ومياه الشرب عبر نظام من الحبال، بعد قطع مسافات داخل الغابة للوصول إلى قاعدة الشجرة. وكانت تعتمد على مؤن بسيطة وسهلة التخزين تناسب ظروف العيش الطويل في مكان معزول.

النوم والحماية من الطقس

كانت تنام داخل خيمة صغيرة مثبتة فوق المنصة الخشبية، توفر لها قدرًا محدودًا من الحماية من الأمطار والرياح والبرد. وكانت العواصف من أصعب ما واجهته، إذ كانت الرياح القوية والأجواء الباردة تجعل البقاء فوق الشجرة تحديًا يوميًا، خصوصًا خلال فصل الشتاء في تسمانيا.

التواصل مع العالم

رغم عزلتها، لم تكن منفصلة تمامًا عن العالم. فقد استخدمت ألواحًا شمسية لتوفير الطاقة اللازمة لجهاز الكمبيوتر ووسائل الاتصال، وكانت تنشر تحديثات يومية وتشارك رسائلها مع آلاف المتابعين الذين تابعوا تجربتها حول العالم.

بهذه الوسائل البسيطة، تمكنت ميراندا جيبسون من البقاء 449 يومًا فوق الشجرة، محولةً مكانًا معزولًا في أعماق الغابة إلى منصة عالمية للدفاع عن البيئة.

نهاية الاعتصام

بعد أشهر، وافقت لجنة التراث العالمي على توسيع المناطق المحمية، بما في ذلك الغابة التي عاشت فيها جيبسون أكثر من عام، لتصبح حملتها واحدة من أبرز المحطات في تاريخ الدفاع عن غابات تسمانيا.

فيديو