بعد نحو ثمانية عقود على غرقها، لا يزال حطام سفينة الشحن "إس إس كيلسي" يرقد في أعماق القناة الإنجليزية، محتفظا بأحد أكثر الأسرار العسكرية إثارة للقلق. فالسفينة، التي كانت محملة بالقنابل والذخائر بعد الحرب العالمية الثانية، تحولت إلى قنبلة كامنة تحت البحر بعدما تسبب انفجار هائل أثناء محاولة إنقاذها في عام 1967 بهزة أرضية بلغت قوتها 4.5 درجات، شعر بها سكان مناطق واسعة وسجلتها محطات الرصد الزلزالي في أوروبا وأمريكا الشمالية.
غرقت السفينة عام 1946 بعد اصطدامها بسفينة أخرى أثناء رحلتها من ساوثهامبتون إلى مدينة بريمرهافن الألمانية، بينما كانت تنقل شحنة ضخمة من القنابل والذخائر. ورغم نجاة جميع أفراد الطاقم، بقيت المتفجرات داخل هيكل السفينة في قاع البحر، لتتحول مع مرور الوقت إلى خطر دفين يصعب التعامل معه.
وبعد أكثر من عشرين عاما على الغرق، تعاقدت السلطات البريطانية مع شركة متخصصة لإزالة الحطام وتوسيع الممر الملاحي فوق الموقع. وخلال العملية، استخدم فريق الإنقاذ عبوات ناسفة لفتح أجزاء من هيكل السفينة، إلا أن العبوة الثالثة أشعلت جزءًا من الذخائر المخزنة، ما أدى إلى انفجار هائل في 22 يوليو 1967.
كان الانفجار عنيفًا إلى درجة أنه ألحق أضرارًا بالمباني في مدينة فولكستون البريطانية، حيث تشققت الأسقف وتحطمت بعض المداخن، بينما التقطت 25 محطة رصد زلزالي على الأقل موجاته، بما في ذلك محطات تبعد آلاف الكيلومترات عن موقع الحادث. وقدّر العلماء قوته بما يعادل زلزالًا بلغت شدته 4.5 درجة، وهو رقم يعكس الطاقة الزلزالية الناتجة عن الانفجار وليس كمية الذخائر الموجودة داخل السفينة.
ولم يقتصر تأثير الانفجار على اليابسة، بل غيّر شكل قاع البحر أيضا، إذ كشف مسح لاحق عن حفرة بيضاوية ضخمة يبلغ طولها نحو 47 مترًا، وعرضها 20 مترًا، وعمقها 6 أمتار، تشكلت بفعل الطاقة الهائلة التي اندفعت داخل الرواسب البحرية، وفقا لـ "dailygalaxy".
ورغم مرور عشرات السنين، لا يزال الخبراء عاجزين عن تحديد كمية الذخائر المتبقية داخل الموقع، لأن قائمة الشحنة الأصلية فُقدت، ولم يعد من الممكن معرفة ما انفجر بالفعل وما لا يزال مدفونًا تحت الرواسب. كما أن تآكل هيكل السفينة وتحرك أجزاء الحطام يزيدان من تعقيد أي محاولة لفحص الموقع أو تنظيفه.
وتشير الدراسات الحديثة إلى أن الذخائر الغارقة لا تصبح آمنة تلقائيا مع مرور الزمن، إذ قد يؤدي تآكل أغلفتها المعدنية وتحركها داخل الرواسب إلى خلق مخاطر جديدة يصعب التنبؤ بها. ولهذا تُعد حادثة "إس إس كيلسي" مثالًا بارزًا على التحديات التي تواجهها فرق الإنقاذ والباحثون عند التعامل مع حطام السفن العسكرية المحملة بالمتفجرات.
ورغم أن السفينة لم تعد قائمة بهيكلها الأصلي، فإن بقاياها المتناثرة في قاع القناة الإنجليزية لا تزال تمثل مصدر قلق للسلطات البحرية، وتذكر بأن بعض مخلفات الحروب يمكن أن تبقى خطرة حتى بعد مرور ما يقرب من ثمانين عامًا.
