قد يبدو الخط الأبيض الموجود على حواف الطرق تفصيلا بسيطا لا يلفت الانتباه، لكنه لعب دورا مهما في تحسين سلامة القيادة وتقليل الحوادث وإنقاذ ملايين الأرواح على مدار عقود .
وراء هذه الفكرة البسيطة يقف المهندس والمخترع الأميركي جون فان نوستراند دور، أحد أبرز المهندسين الكيميائيين في عصره، الذي اقترح استخدام الخطوط الجانبية لمساعدة السائقين على الحفاظ على مسارهم، خاصة أثناء الليل والظروف الجوية الصعبة، لتصبح فكرته لاحقا جزءا أساسيا من تصميم الطرق حول العالم.
لم يغيّر العالم باختراع معقد أو جهاز متطور، بل بفكرة بسيطة للغاية وهي خط أبيض يُرسم على حافة الطريق. هذا الخط الذي نراه اليوم في كل مكان، ساهم في تقليل الحوادث وإنقاذ ملايين الأرواح على مدار أكثر من 70 عامًا.
من عبقرية الكيمياء إلى سلامة الطرق
وُلد جون دور عام 1872، وكان شغوفا منذ طفولته بالجيولوجيا والمعادن. وفي سن السادسة عشرة فقط، بدأ العمل في مختبرات توماس إديسون في ولاية نيوجيرسي، حيث تعلّم منه روح التجربة والابتكار.
بعد ذلك درس الكيمياء في جامعة روتغرز، ثم انتقل إلى الغرب الأميركي، حيث ساهم في تطوير تقنيات لاستخراج الذهب ومعالجة المياه والصناعات الكيميائية. وبحلول منتصف القرن العشرين، أصبح واحدًا من أبرز المهندسين الكيميائيين في الولايات المتحدة، وحصل على العديد من التكريمات والدرجات الفخرية.لكن الإنجاز الذي جعل اسمه خالدًا لم يكن في عالم الكيمياء، بل في عالم الطرق.
شكوى زوجته ألهمت الفكرة
بدأت القصة عندما اشتكت زوجة دور من مشكلة كانت تواجهها أثناء القيادة ليلا، وهي أن أضواء السيارات القادمة كانت شديدة السطوع لدرجة تجعل السائقين ينحرفون أحيانا عن مسارهم خوفا من الاصطدام.
لاحظ دور أن المشكلة لم تكن فقط في قوة المصابيح، بل في غياب علامة واضحة تحدد نهاية الطريق. ففي ذلك الوقت، كانت كثير من الطرق تفتقر إلى خطوط جانبية، وكان السائقون يجدون صعوبة في معرفة حدود المسار، خصوصا أثناء الليل أو الطقس السيئ.
اقترح دور إضافة خط أبيض على حافة الطريق، بحيث يساعد السائق على البقاء داخل مساره وتجنب الانحراف نحو الكتف الترابي أو الحفر بجانب الطريق، لكن الفكرة لم تلقَ ترحيبا سريعا.
عندما عرض دور اقتراحه على مسؤولي الطرق، قوبل بالرفض، إذ رأى البعض أن الخطوط الجديدة غير ضرورية أو مكلفة.
لم يستسلم، فلجأ إلى الصحافة، وكتب مقالا يقترح فيه تجربة عملية لإثبات فائدة فكرته. وبالفعل، أُضيفت الخطوط البيضاء على جزء من الطريق بين غرينتش وستانفورد في ولاية كونيتيكت، وتمت مراقبة سلوك آلاف السيارات.
كانت النتائج مذهلة؛ إذ أظهرت التجربة أن الخطوط الجانبية ساعدت السائقين على الحفاظ على موقعهم داخل المسار، وقللت الانحرافات الخطيرة، خاصة في ساعات الفجر والغروب والظروف الجوية الصعبة، وفق تقرير لموقع "iflscience".
أرقام أثبتت نجاح الفكرة
في ولاية نيويورك، جرى اختبار الخطوط على طريق كان يُعرف باسم "وادي الموت" بسبب كثرة الحوادث فيه.
قبل وضع الخطوط البيضاء، سُجلت خلال سبعة أشهر 102 حادثة نتج عنها 49 إصابة. وبعد إضافة الخطوط خلال الفترة نفسها تقريبا، انخفض عدد الحوادث إلى 46 حادثة فقط، وتراجعت الإصابات إلى 27، أي بانخفاض يقارب 55%.
ورغم هذه النتائج، استمر بعض مسؤولي الطرق في التشكيك بالفكرة، بحجج مختلفة، منها التكلفة أو الخوف من إرباك السائقين.
لكن التجارب المتكررة أثبتت أن الخطوط الجانبية لم تكن مجرد إضافة جمالية، بل وسيلة فعالة للحماية.
مع مرور الوقت، أصبح استخدام الخطوط البيضاء على حواف الطرق معيارا أساسيًا في الولايات المتحدة، ثم انتشر حول العالم.
اليوم، يمر ملايين الأشخاص يوميا فوق طرق تحمل بصمة جون دور دون أن يعرفوا قصته. لم يكن اختراعه جهازا معقدا أو تقنية متقدمة، بل مجرد خط أبيض بسيط أثبت أن الأفكار الصغيرة قد تكون أحيانا الأكثر تأثيرا.
