نجح علماء آثار في حل أحد أقدم الألغاز التاريخية في أمريكا الجنوبية، بعدما قادتهم عملة فضية صغيرة يزيد عمرها على 400 عام إلى تحديد الموقع الدقيق لمستعمرة إسبانية مفقودة منذ القرن السادس عشر، كانت تُعرف باسم مدينة الملك دون فيليبي.
وعُثر على العملة، وهي من فئة "قطعة الثمانية" (ريال دي أوتشو)، مدفونة تحت أساسات كنيسة بالقرب من مضيق ماجلان في جنوب تشيلي، خلال أعمال تنقيب قادها فريق من الباحثين من جامعة برناردو أوهيغينز بالتعاون مع الوكالة الوطنية للبحث والتطوير في تشيلي.
ويعود تاريخ تأسيس المستعمرة إلى عام 1584، عندما حاولت إسبانيا إنشاء موطئ قدم دائم للسيطرة على مضيق ماجلان، أحد أهم الممرات البحرية في العالم آنذاك. إلا أن المشروع انتهى بكارثة إنسانية، بعدما قضى معظم السكان بسبب المجاعة والأمراض وقسوة المناخ، ليُعرف الموقع لاحقا باسم "ميناء المجاعة".
وأكد الباحثون أن العملة تحمل ختم الملك الإسباني فيليب الثاني، وقد وُضعت على أحد أحجار أساس الكنيسة، وهو ما يتطابق مع الروايات التاريخية التي تحدثت عن الطقوس الدينية التي رافقت تأسيس المدينة.
وقالت المؤرخة سوليداد غونزاليس دياز إن الاكتشاف يمثل نقطة التقاء نادرة بين الأدلة الأثرية والمصادر التاريخية المكتوبة، موضحة أنه لا يؤكد فقط موقع الكنيسة، بل يساعد أيضًا في إعادة رسم تخطيط المستوطنة وفهم تنظيمها العمراني.
تقنيات حديثة تقود إلى الاكتشاف
اعتمد فريق الباحثين على أساليب استكشاف غير جراحية قبل البدء بأعمال الحفر، بهدف تضييق نطاق البحث وتقليل التأثير على الموقع الأثري. واستخدم العلماء أجهزة كشف المعادن وتقنيات تحديد المواقع الجغرافية لرصد إشارات واعدة تحت سطح الأرض، ما مكنهم من تحديد أماكن تستحق التنقيب بدقة.
وقال عالم الآثار فرانسيسكو جاريدو إن الفريق التقط في البداية إشارة قوية، لكنه لم يتمكن من تحديد طبيعتها إلا بعد تنفيذ حفريات موجهة، لتكشف النتائج عن بقايا الكنيسة التاريخية.
وأوضح جاريدو أن أهمية هذا الاكتشاف لا تقتصر على العثور على مبنى واحد، بل إنه يمثل مفتاحًا لإعادة رسم تخطيط المستوطنة بأكملها، إذ يساعد تحديد موقع الكنيسة على استنتاج مواقع المباني الأخرى وفهم التنظيم العمراني الذي قامت عليه المدينة قبل أكثر من أربعة قرون.
