تُعدّ "البراجيل" من أبرز العناصر المعمارية التقليدية في دولة الإمارات، حيث مثّلت عبر التاريخ نموذجاً مبكراً لتقنيات التبريد الطبيعي التي ابتكرها السكان لمواجهة المناخ الصحراوي شديد الحرارة والرطوبة.
وقد كان من الضروري أن يحتوي المنزل الإماراتي القديم على برج هواء واحد على الأقل، فيما كانت المنازل الأكبر والأكثر قدرة مادياً تضم أكثر من برجيل، يُبنى عادة فوق السطح بارتفاعات تسمح بالتقاط الهواء البارد في طبقات الجو العليا.
وتعمل هذه الأبراج عبر توجيه الهواء إلى داخل المباني من خلال قنوات عمودية، بحيث يدفع الهواء البارد إلى الأسفل بينما يرتفع الهواء الساخن إلى الأعلى، ما يخلق نظام تهوية طبيعي فعال، وتُعد المساحات أسفل البرجيل من أكثر الأماكن برودة في المنزل وغالباً ما كانت تُستخدم للراحة أو النوم، ولا تزال بعض المناطق التراثية في دبي والشارقة تحتفظ بهذه البنية حتى اليوم.
وفي السياق ذاته، تسلّط تقارير هندسية وتقنية حديثة الضوء على نظام معماري قديم يُعرف باسم "المدخنة الشمسية" أو "البادغير"، وتعد نسخة عالمية من البراجيل، وهو ابتكار يعود تاريخه إلى نحو 3000 عام، ويُعتقد أنه قادر على خفض درجات الحرارة داخل المباني بما يصل إلى 15 درجة مئوية دون أي استهلاك للكهرباء، ما يعيد طرحه كحل محتمل لأزمة التبريد في المناطق الحارة. ويعتمد هذا النظام على أبراج رأسية تعمل بفروق الضغط ودرجات الحرارة بين داخل المبنى وخارجه، ما يسمح بتدفق هواء طبيعي مستمر دون الحاجة إلى طاقة تشغيلية.
ويعمل مبدأ المدخنة الشمسية عبر تسخين الهواء داخل العمود الرأسي بفعل أشعة الشمس، ما يؤدي إلى انخفاض كثافته وارتفاعه إلى الأعلى، وبالتالي خلق منطقة ضغط منخفض في الأسفل تسمح بدخول الهواء البارد من الفتحات السفلية، في حركة مستمرة تُجدد الهواء داخل المباني.
وتشير مصادر تاريخية إلى أن هذا النظام كان يُستخدم أحياناً بالتكامل مع قنوات مياه تحت الأرض، حيث يمر الهواء عبرها ليبرد بالتبخر قبل دخوله إلى المباني، ما يعزز من كفاءة التبريد الطبيعي.
وفي التصاميم الحديثة، يتكون النظام من برج رأسي بسطح داكن يمتص الحرارة خلف طبقة زجاجية شفافة، فيما تعتمد كفاءته على ارتفاع المدخنة وفرق درجة الحرارة بين الداخل والخارج، فكلما زاد الارتفاع واشتدت أشعة الشمس زادت فعالية تدفق الهواء.
وتؤكد دراسات حديثة فعالية هذا النظام، إذ سجّلت جامعة أريزونا عام 1995 انخفاضاً في درجة الحرارة الداخلية إلى 24 درجة مئوية رغم وصول الحرارة الخارجية إلى 41 درجة، دون أي استهلاك للطاقة.
كما تشير تقديرات وكالة حماية البيئة الأمريكية إلى أن التهوية الطبيعية يمكن أن توفر ما بين 8 إلى 12 عملية تجديد للهواء في الساعة، فيما قد يسهم هذا النوع من التبريد في خفض استهلاك الطاقة المخصصة للتكييف بنسبة تصل إلى 75% وفق دراسات جامعة نوتنغهام.
ورغم بساطة هذا النظام وكفاءته، يرى خبراء أن محدودية انتشاره تعود في الأساس إلى اعتبارات اقتصادية وصناعية، في ظل هيمنة أنظمة التكييف التقليدية القائمة على الاستهلاك المستمر للطاقة.
وتشير تقديرات بيئية إلى أن أنظمة التكييف التقليدية قد تنتج نحو 25 طناً من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون خلال دورة حياتها، بينما يمكن للمدخنة الشمسية استعادة بصمتها الكربونية خلال أشهر قليلة من التشغيل.
وتاريخياً، استخدم مهندسون بريطانيون في القرن التاسع عشر هذا النظام في المستشفيات والمباني العامة في الهند وأفريقيا، بعد أن اختبروا فعاليتها في منطقة الخليج العربي، وسُجلت حينها تحسنات في جودة الهواء وانخفاض في معدلات الأمراض خلال أوبئة مثل الكوليرا والإنفلونزا.
أما اليوم، فيمكن تطبيق هذا النظام في المباني الحديثة بتكلفة محدودة نسبياً، سواء عبر إضافته إلى المباني القائمة أو دمجه في التصميمات الجديدة، مع إمكانية تعزيز كفاءته عبر قنوات تبريد أرضية طبيعية.
ومع تصاعد الاهتمام العالمي بحلول الطاقة المستدامة، يعود هذا الابتكار القديم ليطرح نفسه مجدداً كخيار عملي وصديق للبيئة، قادر على إعادة تشكيل مستقبل التبريد في المناطق الحارة.

