دخل الجيل زد العمل كاختبار حي لكل ما اعتقدت الأجيال السابقة أنه بديهي، جاء ومعه أسئلة كانت تهمس سابقاً وتقال اليوم بصوت أعلى: لماذا يكون الإرهاق دليل اجتهاد؟ لماذا لا نتحدث عن الصحة النفسية؟ لماذا تُقاس المهنية بعدد الساعات لا بجودة العمل؟
لهذا لا يبدو تأثير الجيل زد في العمل محصورًا في الشباب أنفسهم، الأثر الأكبر أنه جعل الأجيال الأخرى تنظر إلى عاداتها القديمة كأنها تراها للمرة الأولى. فجأة صار الموظف الأكبر عمرًا يسأل: هل كان طبيعيًا أن أعمل وأنا محترق؟ هل كانت التضحية الدائمة فضيلة، أم عادة ورثناها من زمن لم يعد يشبهنا؟
بحسب وزارة العمل الأمريكية، تجاوز الجيل زد جيل طفرة المواليد في سوق العمل الأمريكي عام 2023، وبلغ نحو 18% من قوة العمل في الربع الثاني من 2024، مقابل 15% لجيل طفرة المواليد، بينما بقي جيل الألفية الأكبر حصة بنحو 36%. وتشير تقديرات أخرى إلى أن الجيل زد قد يشكل نحو 30% من قوة العمل الأمريكية بحلول 2030، أي أن ما كان يُعامل كـ"مزاج شباب" بدأ يتحول إلى كتلة مؤثرة في ثقافة المؤسسات.
أول ما غيره هذا الجيل حين انضم لقوة العمل هو اللغة، فقبل سنوات، كان الحديث عن القلق، والإرهاق، والحدود النفسية في العمل يبدو خاصاً أو مبالغًا فيه، أما اليوم، يدفع الجيل زد هذه المفردات إلى الاجتماعات وسياسات الموارد البشرية، فأصبح الموظف الشاب يقول: أريد مديراً لا يحرقني وجدولاً لا يبتلع حياتي.
في استطلاع "ديلويت" العالمي لعام 2025، الذي شمل أكثر من 23 ألفًا من الجيل زد وجيل الألفية في 44 دولة، ظهر أن هذين الجيلين يطاردان ثلاثة أشياء معاً: المال، والمعنى، والرفاهية. كما أشار تقرير "ديلويت" إلى أن الصحة النفسية جاءت ثاني أكبر قلق مجتمعي لدى الجيل زد بعد تكلفة المعيشة.
الأثر الثاني يظهر في معنى الطموح، فالأجيال السابقة تعلمت أن الترقية مكافأة لا ترفض. أما اليوم، فثمة مراجعة أوسع لفكرة الصعود بأي ثمن، فقد نقل تقرير حديث في "الغارديان" عن استطلاع أن 70% من العمال الأمريكيين قد يرفضون ترقية إذا كانت ستؤثر سلبا في صحتهم النفسية، وهذه ليست ظاهرة جيل زد وحده، لكنها صارت أكثر وضوحاً بسببه.
ثم يأتي أثره في التكنولوجيا، فالجيل زد لم يتعلم التقنية كمهارة إضافية، بل نشأ بينها، ولذلك تحولت العلاقة بين الأجيال في العمل من مسار واحد إلى مسار مزدوج، فالآن لا يعلم الأكبر في السن الأصغر فقط، بل صار الأصغر يعلم الأكبر أيضاً الكثير من الأمور التقنية مثل أدوات الذكاء الاصطناعي، وثقافة المنصات، وطرق التعاون الرقمي، واللغة الجديدة للجمهور. هذا ما يسمى اليوم بـ"الإرشاد العكسي"، حيث يدرب الموظفون الشباب زملاءهم ومدرائهم الأكبر سناً على ما يتصل بالتقنية والثقافة الرقمية.
وتشير تقارير عن هذا الاتجاه إلى أن برامج الإرشاد العكسي لم تعد مجاملة مؤسسية، بل أداة حقيقية لتقليل الفجوة الرقمية. كما وجد بحث أجرته "آي دبليو جي" أن نحو 62% من موظفي الجيل زد يشاركون في دعم زملائهم الأكبر سنًا في استخدام الذكاء الاصطناعي وأدوات التعاون الهجين. ويغيرهذا ميزان الاحترام داخل المؤسسة حيث أن الخبرة لم تعد عمراً فقط، بل معرفة بما يتغير الآن.
لكن أثر الجيل زد ليس دائماً مريحاً، فهناك احتكاك واضح بين الأجيال، فيرى بعض المدراء فيه جيلاً قليل الصبر، وسريع المطالبة لا يعرف معنى التدرج. فيما يرى بعض الموظفين الأكبر سناً أن قواعد اللعبة تغيرت فجأة لمصلحة من لم يدفعوا "ثمنها" بعد. في المقابل، يرى الجيل زد أن كثيرًا من تلك القواعد لم تكن حكمة، بل إنهاكاً متوارثاً.
حتى العمل عن بعد يكشف تعقيد الصورة، فالصورة النمطية تقول إن الجيل زد لا يريد المكتب. لكن استطلاعات حديثة، بينها بيانات نقلتها "أكسيوس" و"غالوب"، تشير إلى أن أقل من 25% من موظفي الجيل زد القادرين على العمل عن بعد يفضلون العمل عن بعد بالكامل، وهي نسبة أقل من بعض الأجيال الأكبر. والسبب ليس حباً مفاجئاً للمكاتب، بل حاجة إلى التعلم، والعلاقات، والإرشاد، وبناء شبكة مهنية لا تتكون بسهولة خلف الشاشة، فالجيل الذي يدافع عن المرونة لا يريد العزلة بالضرورة.
جاء هذا الجيل محملاً بقلق عصره: تكلفة معيشة مرتفعة، وذكاء اصطناعي يهدد الوظائف، ومنصات لا تنام، وحدود ممزقة بين الحياة والعمل. لذلك يبدو أكثر استعجالًا في طلب المعنى، وأكثر صراحة في طلب الحماية، وأكثر استعدادًا لمساءلة ما كان يعد مقدساً، وربما لهذا يبدو الجيل زد مزعجاً أحيانًا.
