نجح علماء في تصوير قرش العفريت لأول مرة في بيئته الطبيعية، في إنجاز يمنح الباحثين نظرة غير مسبوقة على واحد من أكثر أسماك القرش غموضاً وإثارة في أعماق البحار، ويغيّر كثيراً من المفاهيم حول أسلوب حياته وسلوكه.
وعلى الرغم من اكتشاف هذا النوع لأول مرة عام 1898 قبالة سواحل اليابان، فإن معظم ما عرفه العلماء عنه جاء من عينات انتُشلت إلى سطح البحر بعد اصطيادها أو نفوقها، بينما ظل رصده حياً في أعماق المحيط أمراً نادراً للغاية وفق iflscience.
ويعيش قرش العفريت، المعروف علمياً باسم Mitsukurina owstoni، في أعماق المحيطات الأطلسي والهندي والهادئ، حيث يفضل البيئات المظلمة على أعماق تتجاوز ألف متر، بعيداً عن متناول الغواصين ومعظم وسائل الاستكشاف التقليدية.
ويتميز هذا القرش بمظهر فريد يجعله من أكثر الكائنات البحرية غرابة، إذ يمتلك خطماً طويلاً ومسطحاً، وفكين قادرين على الاندفاع إلى الأمام بسرعة هائلة لالتقاط الفرائس.
ويُعد هذا النظام من أسرع آليات الافتراس بين أسماك القرش، إذ تنطلق الفكوك بسرعة تصل إلى نحو 3.1 أمتار في الثانية، لتصل إلى مسافة تعادل نحو 9% من طول الجسم، ما يسمح له بالإمساك بفرائس كانت ستفلت منه لولا هذه الآلية الفريدة.
وجاء أول توثيق ميداني لهذا النوع خلال رحلة علمية لسفينة الأبحاث "نوتيلوس" عام 2019، عندما التقطت مركبة آلية تُعرف باسم "هرقل" صوراً لذكر بالغ على عمق 1237 متراً بالقرب من جزيرة جارفيس في وسط المحيط الهادئ، وقدر الباحثون طول القرش بنحو 3.43 أمتار، فيما رجحوا أن عمره يتجاوز خمسين عاماً.
أما الرصد الثاني، فجاء عام 2024 على منحدرات خندق تونغا في غرب المحيط الهادئ، حيث وثق العلماء فرداً آخر على عمق أكبر بكثير من أي سجل سابق لهذا النوع، موسعين بذلك نطاقه المعروف بنحو 697 متراً إضافياً.
وتشير التحليلات الأولية إلى أن العينة الثانية كانت على الأرجح أنثى، لعدم ظهور الزعانف التناسلية الخاصة بالذكور.
ويرى الباحثون أن أهمية هذه المشاهدات لا تقتصر على كونها أول لقطات لهذا النوع في موطنه الطبيعي، بل توفر أيضاً معلومات مباشرة عن الموائل التي يفضلها، وسلوكه في أعماق البحار، وهو ما كان من الصعب دراسته اعتماداً على العينات المنتشلة إلى السطح.
كما تؤكد النتائج أن قرش العفريت يستخدم موائل متنوعة في المحيط الهادئ، تشمل الجبال البحرية والمنحدرات القريبة من الخنادق المحيطية، ما يشير إلى انتشار أوسع مما كان يُعتقد سابقاً.
ويؤكد الباحثون أن هذه المعلومات ستكون ذات أهمية كبيرة لجهود حماية الأنواع البحرية العميقة، خاصة مع تزايد الأنشطة البشرية في أعماق المحيطات، مثل التعدين والصيد، والتي قد تهدد كائنات بطيئة النمو والتكاثر مثل قرش العفريت.
وأضاف الفريق أن تحديد النطاق الجغرافي الحقيقي والعمق الذي يعيش فيه هذا النوع يمثل خطوة أساسية لفهم بيئته ووضع خطط أكثر فاعلية للحفاظ عليه، خاصة أن كثيراً من كائنات أعماق البحار ما زالت مجهولة من حيث أعدادها وسلوكها.
ونُشرت نتائج الدراسة في مجلة علم الأحياء السمكية، لتقدم أول توثيق ميداني لقرش العفريت في بيئته الطبيعية، وتفتح نافذة جديدة أمام العلماء لدراسة أحد أكثر مفترسات أعماق البحار غموضاً.
فيديو
