كشفت دراسة نفسية حديثة أن أحد أكثر العوامل تأثيرا على تراجع الثقة بالنفس لا يرتبط بالفشل العلني أو الانتقادات المباشرة كما يعتقد كثيرون، بل يتمثل في سلوك يومي هادئ ومتكرر يُعرف باسم "التخلي عن الذات"، وهو نمط نفسي يقوم على تجاهل الاحتياجات الشخصية والمشاعر والقرارات الداخلية بهدف الحفاظ على رضا الآخرين أو تجنب التوتر والخلافات.
وأوضح الباحث في علم النفس مارك ترافرز أن الثقة بالنفس لا تُبنى فقط من خلال الإنجازات أو التقدير الخارجي، وإنما تعتمد بشكل أساسي على مستوى الثقة التي يطورها الفرد تجاه نفسه، ومدى التزامه بما يشعر به ويؤمن به.
ووفقا للدراسة، فإن تكرار التنازل عن الحدود الشخصية أو كبت ردود الفعل الحقيقية أو عدم الوفاء بالالتزامات الذاتية يؤدي تدريجيا إلى تآكل الإحساس الداخلي بالثقة.
وبيّنت الدراسة أن هذا السلوك يُترجم إلى ما يسميه علماء النفس "تقديم الذات المتكيفة على الذات الأصيلة"، حيث يعتاد الفرد تعديل مشاعره واحتياجاته بما يتوافق مع توقعات الآخرين، بدلا من التعبير عن رغباته وقيمه الحقيقية، وعلى المدى الطويل، ينعكس ذلك في انخفاض تقدير الذات وضعف الإحساس بالهوية وارتفاع مستويات الضغط النفسي وصعوبة تنظيم المشاعر.
كما أشارت مراجعات علمية حديثة إلى وجود ارتباط واضح بين العيش بصورة منسجمة مع القيم الشخصية وبين تحسين الصحة النفسية وتعزيز جودة الحياة والعلاقات الاجتماعية.
وأكدت النتائج أن الأشخاص الذين يحافظون على درجة أعلى من الأصالة في قراراتهم وسلوكهم يحققون مستويات أفضل من الرضا والاستقرار النفسي.
وتناول التقرير أبرز صور التخلي عن الذات، والتي تشمل الإخلال المتكرر بالوعود الشخصية، وتجاهل الحدس الداخلي عند اتخاذ القرارات، والامتناع المستمر عن التعبير عن الرأي أو المشاعر، إضافة إلى تقديم تنازلات تتعارض مع المبادئ والقيم من أجل إرضاء الآخرين.
وأرجع الباحثون نشأة هذا النمط في كثير من الحالات إلى تجارب مبكرة خلال الطفولة، خاصة في البيئات التي يشعر فيها الفرد أن الحب أو القبول مرتبطان بالامتثال وتجاهل الاحتياجات الذاتية، ما يدفعه لاحقا إلى تطوير أنماط سلوكية تستمر معه حتى مرحلة البلوغ.
وفي ختام الدراسة، شدد الخبراء على أن استعادة الثقة بالنفس تبدأ بخطوات يومية بسيطة، مثل الالتزام بوعود صغيرة تجاه الذات، والانتباه للإشارات والمشاعر الداخلية باعتبارها مصدرا مهما للمعلومات، ومنح النفس مساحة للتفكير قبل الموافقة أو التنازل تلقائيا، مؤكدين أن بناء الثقة الحقيقية يبدأ من العلاقة التي يصنعها الإنسان مع نفسه قبل أي تقدير خارجي.
