في تجربة استثنائية تجمع بين الشغف والهندسة والطيران، نجح المهندس الميكانيكي البرازيلي رونالدو سانتياغو سيلفيرا، في بناء طائرة تجريبية كاملة داخل فناء منزله، مستخدما مكونات مأخوذة من قطع السيارات، من بينها ماكينة زجاج كهربائي لتحريك الجنيحات، وعداد دوران سيارات داخل لوحة العدادات، قبل أن تحصل الطائرة لاحقا على اعتماد رسمي من الوكالة الوطنية للطيران المدني البرازيلية "ANAC".
واستغرق المشروع ست سنوات كاملة من العمل المتواصل، انتهت بإطلاق طائرة أحادية المحرك تحمل اسم "Zodiac"، قادرة على الطيران حتى سبع ساعات متواصلة دون توقف، مع إمكانية تنفيذ رحلات طويلة داخل البرازيل وخارجها.
البداية.. فكرة لتسهيل العمل تحولت إلى شغف بالطيران
بحسب ما نشره موقع "Vrum" البرازيلي، بدأت القصة عندما كان رونالدو، وهو مهندس ميكانيكي يعمل مع عملاء موزعين على عدة مدن، يبحث عن وسيلة تقلل ساعات التنقل الطويلة بين الولايات البرازيلية، لهذا السبب فكر في شراء طائرة صغيرة أحادية المحرك تساعده في التنقل السريع.
الخطوة الأولى كانت الالتحاق بدورة لتعلم الطيران، لكن خلال فترة التدريب أدرك أن استخدام الطائرة لأغراض العمل لن يكون عمليا بالنسبة له، كما أن توظيف طيار خاص سيرفع التكاليف إلى مستويات كبيرة، ورغم ذلك، كان قد أصبح متعلقا بعالم الطيران بصورة كاملة.
بدلا من التخلي عن الفكرة، قرر شراء مخطط هندسي لطائرة تجريبية من شركة أمريكية عبر الإنترنت، ثم بدأ تنفيذ المشروع بنفسه داخل منزله في مدينة كونتاجي، حيث قام بتجميع الطائرة قطعة قطعة على مدار ست سنوات متواصلة.
طائرة بمواصفات حقيقية وقدرات طويلة المدى
النتيجة النهائية كانت طائرة "Zodiac"، وهي طائرة تجريبية أحادية المحرك تتسع لطيار وراكب واحد، وتقلع الطائرة من مدرج عشبي بطول 450 مترا يقع داخل نادٍ للطيران في منطقة سكنية بمدينة نوفا ليما.
وحصلت الطائرة على التسجيل الرسمي "PU-RST" من الوكالة الوطنية للطيران المدني البرازيلية، ما يعني أنها خضعت للفحص والاختبارات الفنية المطلوبة وتمت الموافقة على تشغيلها داخل المجال الجوي البرازيلي.
وتتمتع الطائرة بقدرة على التحليق لمدة تصل إلى سبع ساعات دون هبوط، كما يمكنها الوصول إلى ارتفاع يبلغ 14,500 قدم، أي ما يقارب خمسة آلاف متر فوق سطح البحر، من دون الحاجة إلى مقصورة مضغوطة.
واستخدم رونالدو الطائرة بالفعل في رحلات طويلة إلى ولايتي إسبيريتو سانتو وباهيا، مؤكدا قدرتها على تنفيذ رحلات حقيقية بأمان واستقرار.
قطع سيارات داخل أنظمة الطائرة
واحدة من أكثر التفاصيل إثارة في المشروع كانت اعتماد رونالدو على قطع سيارات في تشغيل بعض الأنظمة الحيوية للطائرة.
فالجنيحات المتحركة "Flaps"، وهي الأجزاء المسؤولة عن زيادة قوة الرفع أثناء الإقلاع والهبوط، تعمل بواسطة ماكينة زجاج كهربائي مأخوذة من سيارة عادية، بعد تعديلها لتناسب الاستخدام الجوي.
كما استخدم مكونات سيارات أخرى في أنظمة التحكم الخاصة بالطائرة، بينما تم تعديل عداد دوران محرك سيارات ليعمل كمؤشر لعدد دورات محرك الطائرة داخل قمرة القيادة.
ورغم غرابة الفكرة، فإن هذه الحلول تعكس فلسفة الطيران التجريبي التي تعتمد على استخدام مكونات متوفرة وموثوقة وإعادة توظيفها بطرق هندسية دقيقة داخل الطائرات الخفيفة.
وخلال سنوات العمل، حرص رونالدو على توثيق كل مرحلة من مراحل البناء، مسجلا التطورات والتعديلات التي خضعت لها الطائرة حتى اكتمالها.
محرك سيارة "سانتانا" لم ينجح
في البداية، كان المخطط الأصلي للطائرة يعتمد على محرك "Volkswagen 2.0" بقوة 116 حصانا، وهو نفس المحرك المستخدم في سيارات مثل "Golf" و"Santana".
وقام رونالدو بالفعل بتركيب المحرك داخل الطائرة، إلا أن الاختبارات كشفت أن وزنه مرتفع للغاية مقارنة بقدرات الطائرة، ما جعل الإقلاع الآمن شبه مستحيل، خاصة مع العمل على مدرج قصير.
ولحل المشكلة، استبدل المهندس البرازيلي المحرك بمحرك "Rotax" بقوة 100 حصان، وهو محرك مخصص للطيران الخفيف ويتميز بوزن أقل وكفاءة أفضل للطائرات الصغيرة.
هذا التغيير أعاد الطائرة إلى الحدود الآمنة من حيث الوزن والأداء، وسمح لها بالإقلاع والهبوط بشكل طبيعي على المدرج العشبي في نوفا ليما.
اختبارات دقيقة قبل الحصول على الترخيص
رغم أن بناء الطائرات المنزلية مسموح به في البرازيل، فإن تشغيلها يتطلب المرور بإجراءات تنظيمية صارمة تفرضها وكالة الطيران المدني.
وقبل حصول الطائرة على الترخيص النهائي، نقلها رونالدو إلى مطار مدينة ديفينوبوليس لإجراء سلسلة من الاختبارات العملية، تضمنت تنفيذ طلعات منخفضة فوق المدرج للتأكد من أداء الأنظمة المختلفة والتحكم بالطائرة في ظروف حقيقية دون تنفيذ إقلاع كامل.
وبعد اجتياز الاختبارات الفنية والحصول على الموافقة الرسمية، بدأ رونالدو استخدام الطائرة بصورة منتظمة، مستفيدًا من خبرة تجاوزت 230 ساعة طيران.
مدرج جبلي يعتبره صاحبه من أخطر المدارج في البرازيل
الطائرة لا تعمل من مطار تجاري تقليدي، بل من مدرج عشبي بطول 450 مترا يقع على ارتفاع 4,400 قدم فوق سطح البحر، وتحيط به الجبال من الجانبين.
ويؤكد رونالدو أن التضاريس الجبلية تجعل عمليات الإقلاع والهبوط معقدة وخطيرة، بسبب الاضطرابات الهوائية الناتجة عن الجبال وصعوبة الاقتراب من المدرج.
لذلك تتطلب كل عملية طيران حسابات دقيقة للسرعة والرياح وزاوية الصعود لتجنب الاصطدام بالمرتفعات المحيطة بالمكان.
خطط لعبور الحدود والوصول إلى ميامي
ورغم أن الطائرة بُنيت داخل فناء منزل، فإن رونالدو يخطط لاستخدامها في رحلات دولية مستقبلا.
ومن بين المشاريع التي يعمل عليها تنفيذ رحلة إلى العاصمة الأرجنتينية بوينس آيرس مرورا بعواصم جنوب البرازيل، ثم تنفيذ رحلة أطول إلى مدينة ميامي الأمريكية عبر مدن الساحل الشمالي الشرقي للبرازيل وجزر الكاريبي.
وتحوّلت الطائرة التي بدأت كمخطط تم شراؤه عبر الإنترنت إلى مشروع طيران حقيقي قادر على تنفيذ رحلات طويلة، في قصة تعكس كيف يمكن للشغف والمعرفة التقنية والإصرار أن تصنع إنجازا استثنائيا خارج المصانع وشركات الطيران الكبرى.
