في ظاهرة غريبة تزداد ملاحظتها حول العالم، وثّق باحثون سلوكا نادرا لدى الحيتان الحدباء يتمثل في فتح أفواهها على اتساعها خارج سياق التغذية، وهو ما أثار تساؤلات علمية عميقة حول أسبابه ووظيفته. هذه الظاهرة، التي باتت تُعرف باسم "الفغر"، رُصدت في مناطق بعيدة تمامًا عن مصادر الغذاء، ما يجعل تفسيرها أكثر تعقيدا.
الحيتان الحدباء، كغيرها من الحيتان البالينية، تمتلك قدرة مذهلة على فتح أفواهها لابتلاع كميات هائلة من الكريل والأسماك الصغيرة خلال مواسم التغذية في المياه القطبية. لكنها خلال الهجرة الطويلة نحو مناطق التكاثر، تمتنع غالبًا عن الأكل، ما يجعل مشاهد فتح الفم في هذه الفترات أمرًا غير متوقع.
الباحثة فانيسا بيروتا وفريقها اعتمدوا على مقاطع فيديو التقطها سياح ومرشدو رحلات، فيما يُعرف بـ "علم المواطن"، لرصد هذا السلوك. وتمكنوا من جمع 66 حالة موثقة جغرافيا وزمنيا، وهو رقم لم يكن من الممكن تحقيقه عبر المراقبة العلمية التقليدية فقط. هذا التعاون غير المباشر بين الجمهور والعلماء فتح نافذة جديدة لفهم سلوك هذه الكائنات العملاقة.
ورغم تزايد هذه المشاهدات، لا يزال السبب الحقيقي وراء هذا السلوك غير محسوم. إحدى الفرضيات تشير إلى أنه شكل من أشكال التواصل الاجتماعي، خاصة أن معظم الحالات سُجلت في وجود حيتان أخرى. كما لا يستبعد الباحثون أن يكون للسلوك بُعد استعراضي، إذ تُظهر الحيتان وعيًا بوجود البشر على القوارب، وقد تكون تتفاعل معهم بطريقة ما.
من جهة أخرى، يطرح العلماء احتمالا بسيطا لكنه منطقي، وهو أن فتح الفم قد يكون تمرينا عضليا ضروريًا خلال فترات الصيام الطويلة، للحفاظ على كفاءة الفك وعدم ضموره. كما لوحظ أن بعض الحيتان الصغيرة تستخدم هذا السلوك في سياقات لعب أو استكشاف، ما يعزز فكرة تعدد وظائفه، وفقا لموقع "iflscience".
اللافت أيضًا أن هذا السلوك رُصد في مواقع متفرقة مثل تونغا وهاواي والسواحل الشرقية لأستراليا، رغم أن مجموعات الحيتان في هذه المناطق لا تتواصل فيما بينها، ما يستبعد فرضية "التقليد الجماعي".
في المقابل، رفض العلماء فرضية أن يكون هذا السلوك نوعا من التثاؤب، نظرا لاختلاف الجهاز التنفسي للحيتان، حيث لا يرتبط الفم بعملية التنفس.
ورغم كل هذه التفسيرات، يبقى "الفغر" لغزا مفتوحا، يعكس مدى محدودية فهمنا لسلوك الحيتان. ومع تزايد استخدام الكاميرات والتقنيات الحديثة، يأمل الباحثون في جمع المزيد من البيانات التي قد تقود إلى تفسير أوضح.
كما تقول بيروتا: "كلما اعتقدنا أننا فهمنا الحيتان، اكتشفنا أن هناك المزيد مما نجهله".
فيديو
