يظل جبل إتنا، القابع على جزيرة صقلية في إيطاليا واحداً من أكثر البراكين إثارة للدهشة والحيرة في العالم. فعلى الرغم من كونه الأكثر نشاطا في أوروبا، فإن سلوكه الجيولوجي لا يتوافق مع القواعد المعروفة لتكوّن البراكين، ما يجعله استثناء علميا لافتا. لسنوات طويلة، حاول العلماء فك شيفرة هذا العملاق الناري، لكن كل اكتشاف جديد يزيد من تعقيد اللغز بدلًا من حله. فهل نحن أمام نوع مختلف من البراكين لم يُفهم بعد؟ أم أن إتنا يخفي أسرارا قد تغيّر فهمنا لكيفية تشكّل الأرض نفسها؟
يبلغ عمر إتنا أكثر من 500 ألف عام، ويرتفع لأكثر من 3000 متر فوق مستوى سطح البحر، ويشهد ثورانات متكررة على مدار العام. هذا النشاط المستمر جعله محط اهتمام واسع من العلماء، لكنه في الوقت نفسه كشف عن تناقضات في تفسير تكوينه، حيث لا ينطبق عليه أي من الأنماط التقليدية لتشكل البراكين.
عادةً ما تتكوّن البراكين عبر ثلاث آليات رئيسية: الأولى عند تباعد الصفائح التكتونية، حيث ترتفع صهارة الوشاح لتشكّل قشرة جديدة. والثانية في مناطق الاندساس، عندما تنزلق صفيحة تحت أخرى، مما يؤدي إلى انصهار الصخور وتشكّل براكين انفجارية. أما الثالثة فتحدث فوق البؤر الساخنة، حيث ترتفع أعمدة من الوشاح الساخن لتشكّل سلاسل بركانية مثل جزر هاواي. لكن إتنا لا ينسجم بدقة مع أي من هذه الفئات.
دراسة حديثة أجراها باحثون من جامعة لوزان، بالتعاون مع علماء من المعهد الوطني للجيوفيزياء وعلم البراكين، طرحت تفسيرا جديدا لهذا اللغز. تشير النتائج إلى أن صهارة إتنا لا تتكوّن مباشرة قبل الثوران، بل تنبع من خزانات قديمة في الوشاح العلوي على عمق يقارب 80 كيلومترا، وتتحرك تدريجيا نحو السطح عبر شقوق ناتجة عن حركات الصفائح التكتونية بين أفريقيا وأوراسيا، وفقا لموقع"scitechdaily".
براكين البقع الصغيرة
ويُرجّح الباحثون أن جبل إتنا قد ينتمي إلى فئة نادرة تُعرف باسم "براكين البقع الصغيرة"، وهي ظاهرة جيولوجية اكتُشفت حديثا وتشير إلى وجود جيوب من الصهارة قريبة نسبيا من قمة الوشاح الأرضي، بدلا من أعماق أكبر كما في النماذج التقليدية. وتكمن أهمية هذه الفئة في أنها تعكس آلية مختلفة لتكوّن البراكين، لا تعتمد على البؤر الساخنة أو مناطق الاندساس بشكل مباشر. اللافت أن هذه البراكين غالبا ما تكون محدودة الحجم وتقع في أعماق البحار، إلا أن إتنا يمثل حالة استثنائية، إذ يجمع بين هذا الأصل غير المعتاد وحجمه الهائل ونشاطه المستمر، ما يجعله نموذجًا فريدًا قد يعيد تشكيل فهم العلماء لعمليات نشوء البراكين حول العالم.
كشف تحليل العينات الصخرية من جبل إتنا أن التركيب الكيميائي لحممه ظل مستقرًا نسبيًا عبر مئات آلاف السنين، وهو ما يُعد مؤشرا قويا على وجود مصدر صهاري عميق وطويل الأمد يغذي البركان بشكل مستمر. هذا الاستقرار اللافت يتعارض مع بعض النماذج التقليدية التي تفترض تغيرات متكررة في تركيب الصهارة قبل الثورانات. كما تشير النتائج إلى أن اختلاف شدة الثورانات لا يعود إلى تغير مفاجئ في خصائص الصهارة، بل يرتبط بشكل أكبر بحركة الصفائح التكتونية والضغوط الجيولوجية المحيطة، التي تتحكم في صعود الصهارة نحو السطح وتوقيت اندفاعها، ما يضيف بعدا جديدا لفهم ديناميكية هذا البركان المعقد.
