ليس الحب كما نظنه أحياناً، مجرد علاقة بين قلبين، ولا هو تلك العاطفة التي تُختزل في شخصٍ بعينه، بل هو طريقة نظر، وأسلوب عيش، وحالة امتلاءٍ تجعل الإنسان يقبل الحياة بكل ما فيها، لا ببعضها فقط.
فالحب، في جوهره، ليس شعوراً يُقاس، ولا عاطفة تُجزّأ، ولا هو ذلك التوازن البارد الذي نحاول أن نُقنع به أنفسنا خشية الألم.
الحب فيضٌ لا يعرف الحساب، واندفاعٌ لا يعترف بالحدود، وامتلاءٌ لا يرضى بالقليل.
وإذا كان فينا شيءٌ يُشبه الحياة حقاً، فهو هذا الاستعداد لأن نعيشها دون تحفظ، وأن نحبّها دون أن نقتصد في قلوبنا.
لقد حاول الناس كثيراً أن يُهذّبوا الحب، وأن يُعلّموه الوقار، وأن يضعوا له حدوداً تحفظ لهم ما يخشون فقده، فحاولوا أن يجعلوا الحياة نفسها أكثر أماناً، وأقل مفاجأة، وأقل اندفاعاً.
لكن الشعراء لم يرضوا بهذا، بل رسموا لنا صورة أخرى: صورة الإنسان الذي لا يمرّ بالحياة مرور العابر، بل يندمج فيها، ويغمره حضورها حتى آخره.
قال الحلاج: "أنا من أهوى ومن أهوى أنا"، ولم تكن كلماته حكراً على حب شخصٍ بعينه، بل كانت أقرب إلى حالة ذوبانٍ في المعنى، وفي الوجود، وفي التجربة كلها، أن تكون أنت ما تحب، وأن تحبّ ما تكون، تلك هي ذروة العيش، لا ذروة العاطفة فقط.
حين نحبّ الحياة حقاً، لا نختار منها ما يروق لنا ونترك ما لا يروق، بل نحتضنها كما هي، فنحبّ صباحاتها ومساءاتها، نجاحها وتعثرها، ضحكها وانكساراتها، لا لأننا لا نتألم، بل لأننا ندرك أن الألم نفسه جزء من هذا النسيج الكبير الذي اسمه الحياة.
وهنا نفهم ما بلغه المنخل اليشكري حين قال: "أحبها وتحبني ويحب ناقتها بعيري"، فلم يكن الأمر مجرد مبالغة في حب شخص، بل تصوير لحالةٍ يتسع فيها القلب حتى يشمل كل ما يتصل بما يحب، وهذه الحالة، حين تُنقل إلى الحياة، تجعلنا نحب تفاصيلها الصغيرة، لا لأنها عظيمة، بل لأنها جزء من الكل.
نحبّ الطرق التي سلكناها، والأيام التي مررنا بها، وحتى اللحظات التي لم تكن كما تمنينا، نحبّها لأنها صنعتنا، لأنها مرّت بنا، لأنها ببساطة... كانت.
ويأتي المنفلوطي ليقول: "أما اليوم؛ فقد وجدت بجانبي القلب الذي يخفق لأجلي، والعين التي تدمع علي، والنفس التي تحبني لا لشيءٍ سواي... فقليل لها مني أن أمنحها حياتي؛ فكيف أبخل عليها بقلبي؟"
وكأن الحياة نفسها هي هذا المحبوب الذي لا يُبخل عليه، الذي لا يُعاش بنصف قلب، ولا يُعطى بنصف حضور.
فمن أحبّ الحياة حقاً، لا يحسب ما يعطيها، ولا يخشى ما يأخذه منها، لا يقف عند كل خسارة، ولا يتردد أمام كل مخاطرة، لأنه يدرك أن العيش الحقيقي لا يكون بالحذر الدائم، بل بالانخراط الكامل.
الشعراء لم يعلّمونا كيف نحب أشخاصاً فقط، بل كيف نحبّ الوجود نفسه، كيف نراه بعينٍ أوسع، وكيف نمنحه من حضورنا ما يجعله أكثر امتلاءً، لقد منحونا القدرة على تخيّل الحياة في صورتها الأسمى: حياة تُعاش بشغف، لا بحساب.
وفي عالمٍ يميل إلى التردد، ويخشى الخسارة، ويبحث عن الأمان في كل خطوة، يبدو هذا النوع من الحب وكأنه مغامرة، ولكنه في الحقيقة الطريق الوحيد للشعور بالحياة كما ينبغي.
نحن لا نحتاج أن نتعلم كيف نحبّ… بل أن نتذكر كيف نعيش، أن نعود إلى تلك الفطرة التي كانت ترى في كل يوم فرصة، وفي كل لحظة معنى، دون أن تُثقلها الحسابات أو تُقيدها المخاوف.
فالحياة التي تليق بالإنسان، ليست تلك التي يمرّ بها دون أن يتأثر، بل تلك التي تغيّره، وتعيد تشكيله، وتدفعه إلى أن يكون أكثر امتلاءً مما كان.
في النهاية، لا تُقاس الحياة بما نحتفظ به منها، بل بما نمنحه لها من حضور، ولا تُعرف بقِصرها أو طولها، بل بعمق ما عشناه فيها.
وحين نحبّ الحياة بكل ما فينا، لا نخسر أنفسنا… بل نجدها، في صورةٍ أوسع، وأصدق، وأجمل.
