في اكتشاف علمي لافت ينهي جدلاً استمر لما يقرب من قرنين، أعلن باحثون أن الكوبرا الملكية، المعروفة بأنها أطول أفعى سامة في العالم، ليست نوعا واحدا كما كان يُعتقد منذ عام 1836، بل تتكوّن في الواقع من أربعة أنواع متميزة، لكل منها خصائصه الجينية والشكلية وموطنه الجغرافي.
وبحسب الدراسة التي نُشرت في 16 أكتوبر الماضي في مجلة European Journal of Taxonomy، توصّل العلماء إلى هذا التصنيف الجديد بعد تحليل دقيق شمل بيانات وراثية وسلوكية، إلى جانب فحص 153 عينة محفوظة في المتاحف من مختلف أنحاء آسيا، حيث تنتشر هذه الأفاعي.
تصحيح مفاهيم استمرت لعقود
لطالما صُنّفت الكوبرا الملكية تحت اسم علمي واحد هو Ophiophagus hannah، رغم أن العلماء لاحظوا عبر السنوات اختلافات واضحة في لون الجسم، وأنماط الجلد، والحجم، وحتى بعض الخصائص التشريحية بين الأفراد في مناطق مختلفة.
وفي عام 2021، كشفت دراسة جينية شاملة، غطّت معظم نطاق انتشار الكوبرا الملكية، عن وجود أربع سلالات وراثية متميزة، ما فتح الباب أمام إعادة تقييم هذا التصنيف.
وجاءت الدراسة الجديدة لتؤكد هذه النتائج من خلال تحليل الخصائص الشكلية، ما أدى إلى اعتماد أربعة أنواع مستقلة رسميا.
الأنواع الأربعة للكوبرا الملكية
توصل الباحثون إلى تقسيم الكوبرا الملكية إلى الأنواع التالية:
الكوبرا الملكية الشمالية (Ophiophagus hannah)
تنتشر في مناطق واسعة تشمل شمال الهند، وسفوح جبال الهيمالايا، وميانمار، والهند الصينية، وتمتد حتى جنوب تايلاند.
تتميز بوجود شرائط صفراء ذات حواف داكنة على جسمها، إضافة إلى امتلاكها ما بين 18 و21 سنا.
كوبرا سوندا (Ophiophagus bungarus)
تعيش في شبه جزيرة الملايو وجزر سوندا الكبرى مثل سومطرة وبورنيو وجاوة، إضافة إلى بعض مناطق الفلبين.
وتميل إلى أن تكون كبيرة الحجم، وغالبا ما تكون خالية من الشرائط أو تحمل خطوطا ضيقة باهتة ذات حواف داكنة.
كوبرا الغات الغربية (Ophiophagus kaalinga)
يقتصر وجودها على سلسلة جبال الغات الغربية في الهند، وتشبه نوع كوبرا سوندا في بعض الخصائص، لكنها تختلف بغياب الحواف الداكنة حول الشرائط الفاتحة على جسمها.
كوبرا لوزون (Ophiophagus salvatana)
تعيش في جزيرة لوزون شمال الفلبين، وتتميز بشرائط فاتحة شديدة الوضوح وحادة الزوايا مقارنة بالأنواع الأخرى.
انتشار واسع وتنوع بيئي
تعيش الكوبرا الملكية في بيئات رطبة ومتنوعة تشمل الغابات المفتوحة ومستنقعات المانغروف الكثيفة، ويمتد نطاقها الجغرافي من شمال الهند مرورا بجنوب الصين وصولا إلى مختلف مناطق جنوب شرق آسيا.
وقد أدى هذا الانتشار الواسع إلى تطور اختلافات ملحوظة بين المجموعات السكانية، سواء في اللون أو الحجم أو السلوك.
أهمية علمية وطبية
لا يقتصر هذا الاكتشاف على كونه تصحيحا تصنيفيا، بل يحمل أبعادا علمية وطبية مهمة، إذ إن جميع هذه الأنواع الأربعة شديدة السمية.
وتُعرف الكوبرا الملكية بقدرتها على حقن كميات كبيرة من السم في عضة واحدة، ما قد يؤدي إلى وفاة الإنسان خلال نحو 15 دقيقة فقط في بعض الحالات.
ويرى الباحثون أن هذا التصنيف الجديد قد يسهم في تطوير أمصال مضادة للسموم أكثر دقة وفعالية، من خلال تخصيصها لكل نوع وفقا لخصائصه الجينية ومنطقته الجغرافية، ما قد يحسّن فرص النجاة في حالات التسمم.
آفاق لاكتشافات جديدة
وأشار الباحث غوري شانكار بوغيري، أحد المشاركين في الدراسة ومؤسس مؤسسة كالينغا، إلى أن هذا الاكتشاف قد لا يكون النهاية، مرجّحا وجود أنواع أخرى غير مكتشفة، خاصة في الجزر الصغيرة التي لم تشملها الدراسة الحالية.
وقال: "أشعر أننا صنعنا التاريخ"، مؤكدا أن الأبحاث جارية بالفعل لاستكشاف هذه الاحتمالات.
إعادة رسم خريطة واحدة من أخطر أفاعي العالم
يمثل هذا الاكتشاف خطوة مهمة في فهم التنوع البيولوجي للزواحف، ويعيد رسم التصور العلمي لإحدى أشهر وأخطر الأفاعي في العالم.
كما يسلّط الضوء على أهمية الجمع بين التحليل الجيني والدراسات الشكلية في كشف أسرار الطبيعة التي قد تبقى مخفية لعقود طويلة.

