العلم يفسر اللغز.. لماذا لا توجد ثدييات زرقاء؟

رغم تنوع الألوان المذهلة في عالم الحيوان، من الريش الأزرق اللامع لدى الطيور إلى قشور الحشرات المتلألئة، يبرز سؤال علمي مهم، لماذا تكاد الثدييات تخلو تماماً من اللون الأزرق الحقيقي؟

في تقرير علمي جديد، تم تسليط الضوء على هذه الظاهرة البيولوجية اللافتة، موضحاً أن اللون الأزرق في الثدييات ليس ناتجاً عن صبغات زرقاء حقيقية، بل غالباً ما يكون خداعاً بصرياً مرتبطاً بالضوء والبنية الدقيقة للأنسجة.

ألوان الثدييات.. صبغات محدودة وطبيعة مختلفة

يوضح التقرير أن اللون في الحيوانات عموماً يتحدد بطريقتين رئيسيتين، إما عبر الصبغات الموجودة في الجلد أو الشعر أو الفراء، أو عبر البنية الفيزيائية للأنسجة التي تعكس الضوء بطريقة معينة.

في حالة الثدييات، تلعب صبغات الميلانين الدور الأساسي في تحديد الألوان.

فـالإيوميلانين مسؤول عن الألوان السوداء والبنية، بينما ينتج الفيوميلانين درجات تميل إلى الأحمر والأصفر، أما غياب الميلانين فيؤدي إلى حالات مثل المهق، حيث يظهر الفراء أبيض بالكامل.

لكن اللافت أن هذه المنظومة الصبغية لا تتضمن أي آلية لإنتاج اللون الأزرق بشكل مباشر.

اللون الأزرق… وهم بصري في عالم الثدييات

على عكس الطيور والحشرات التي يمكن أن تمتلك ألواناً زرقاء ناتجة عن تداخل الضوء مع بنية الريش أو القشور، تعتمد الثدييات على آليات مختلفة.

حتى الكائنات التي تحمل اسم "أزرق"، مثل الحوت الأزرق أو النو الأزرق أو "القرد الأزرق"، لا تمتلك فعلياً فراءً أزرق، بل يظهر لونها الرمادي أو الباهت أزرق في ظروف إضاءة معينة فقط.

ويؤكد الخبراء أن ما يبدو لوناً أزرق في بعض الثدييات هو نتيجة ما يُعرف بالانعكاس البنيوي للضوء وليس وجود صبغة زرقاء حقيقية.

تأثير تيندال… سر الألوان الزرقاء الزائفة

توضح الباحثة شانون فارينغتون، كبيرة الحراس في حديقة حيوان ZSL لندن، أن بعض مظاهر اللون الأزرق في الثدييات، مثل أجزاء من أجساد قرود الماندريل أو حتى بعض المناطق لدى قرد الفرفت، تنتج عن ظاهرة فيزيائية تُعرف باسم تأثير تيندال.

وتحدث هذه الظاهرة عندما تقوم البنى الدقيقة داخل الجلد أو الأنسجة بتشتيت الضوء بحيث يبدو اللون أزرق للعين البشرية، رغم عدم وجود أي صبغة زرقاء.

وهذا نفس المبدأ الفيزيائي المسؤول عن زرقة السماء، والذي يُعرف علمياً باسم تشتت رايلي.

قيود التطور تفسر غياب الثدييات الزرقاء

بحسب الخبراء، فإن غياب اللون الأزرق الحقيقي في الثدييات يعود إلى القيود التطورية التي شكلت مسار تطورها عبر آلاف السنين.

وتقول فارينغتون: "الثدييات تطورت لتكتسب الألوان التي تمنحها أفضل فرص البقاء. امتلاك جلد أزرق أو أخضر أو عيون وردية لا يقدم بالضرورة ميزة تطورية".

وتضيف أن تنوع الألوان في الثدييات، رغم محدوديته مقارنة بالطيور والحشرات، يظل كافياً لأغراض التمويه أو التواصل.

لا ثدييات زرقاء… ولا خضراء أيضاً

يخلص التقرير إلى نتيجة واضحة، لا توجد ثدييات تمتلك لوناً أزرق حقيقياً في الطبيعة، كما لا توجد أيضاً ثدييات خضراء بشكل طبيعي.

وبذلك، يظل اللون الأزرق في عالم الثدييات مجرد خداع بصري أو نتيجة لظروف ضوئية وبنيوية، وليس صبغة حقيقية كما هو الحال في مجموعات حيوانية أخرى.