قد يظن الزائر لأول وهلة أن الكثبان البيضاء في منتزه وايت ساندز الوطني في ولاية نيو مكسيكو تشبه أي صحراء رملية أخرى، لكن الحقيقة أكثر غرابة وإبهارا. فهذه المساحات الشاسعة من البياض الناصع ليست مكوّنة من رمال الكوارتز المعتادة الموجودة في معظم صحارى العالم، بل من معدن مختلف تماما هو الجبس، أحد المعادن الطبيعية التي تمنحها هذا البياض الفريد.
في العادة، تتكون الرمال الطبيعية من حبيبات الكوارتز الناتجة عن تفتت الصخور الغنية بالسيليكا مثل الجرانيت عبر ملايين السنين. لكن في وايت ساندز، المشهد مختلف كليًا؛ إذ تتألف الكثبان بنسبة تصل إلى 98% من الجبس النقي، وهو معدن كبريتي أكثر ليونة بكثير من الكوارتز، ما يمنح المنطقة لونها الأبيض الساطع ولمعانها الفريد تحت الشمس.
ورغم أن الاسم قد يوحي بوجود خطأ، فإن وصف "الرمال" هنا دقيق علميًا. فالرمل لا يُعرّف بنوع المادة المكوِّنة له، بل بحجم حبيباته. أي مادة معدنية يتراوح قطرها بين 0.065 و2 مليمتر تُعتبر رملًا، سواء كانت من الكوارتز أو الجبس أو غيره. لذلك فإن رمال وايت ساندز تستحق اسمها علميًا رغم اختلاف تركيبها.
ويُعد هذا الحقل من الكثبان الجبسية الأكبر في العالم، إذ يمتد على مساحة تقارب 712 كيلومترا مربعا، وهو مشهد طبيعي نادر للغاية. والسبب في ندرة هذا النوع من الكثبان أن الجبس يذوب بسهولة في الماء، ما يجعل بقاءه وتراكمه تحديا جيولوجيا مستمرا.
لكن الطبيعة في وايت ساندز وجدت توازنا مدهشا. فخلال فترات متباعدة، تمتلئ بحيرة لوسيرو الجافة داخل المنتزه بمياه الأمطار وذوبان الثلوج القادمة من الجبال المحيطة، حاملة معها معادن الجبس. ومع تبخر المياه تدريجيًا، تتشكل بلورات السيلينيت، التي تتحطم لاحقا إلى حبيبات دقيقة من الرمل الأبيض. ومع مرور الوقت، تدفع الرياح هذه الحبيبات لتتشكل منها الكثبان البيضاء المتموجة التي تميز المكان، وفقا لـ "iflscience".
وبذلك، لا تُعد وايت ساندز أو الرمال البيضاء مجرد صحراء عادية، بل نظام طبيعي فريد يجمع بين الماء والملح والرياح ليصنع مشهدا يشبه الحلم. إنها واحدة من أكثر الظواهر الجيولوجية إثارة للدهشة في العالم، حيث تتحول الكيمياء البطيئة للأرض إلى لوحة بيضاء نابضة بالحياة وسط صحراء نيو مكسيكو.

