في ظاهرة علمية غير مسبوقة، كشف باحثون أن نوعا من النحل المعروف باسم نحل العرق (Agapostemon subtilior) يمتلك قدرة غريبة على تغيير لونه بشكل جذري، لكن ليس بإرادته كما كان يُعتقد سابقا، بل نتيجة تغيرات بيئية دقيقة، أبرزها الرطوبة. هذا الاكتشاف فتح بابا جديدا لفهم العلاقة بين الحشرات وبيئتها بشكل أعمق مما كان متصورا.
عادةً ما يظهر هذا النحل بلون أزرق مخضر داكن لامع، إلا أن العلماء لاحظوا أنه عند ارتفاع مستويات الرطوبة يتحول لونه تدريجيا إلى درجات أخضر نحاسي باهت، ثم يعود إلى لونه الأصلي عندما تنخفض الرطوبة. هذه التحولات لم تكن مجرد تغييرات سطحية، بل مرتبطة ببنية الهيكل الخارجي للحشرة.
ولفهم هذه الظاهرة، أجرى فريق البحث سلسلة تجارب دقيقة على عينات محفوظة من النحل، وقارنها بعينات حديثة، مع تعريضها لظروف مختلفة من الرطوبة استمرت حتى 55 ساعة. وتم تصوير النحل في مراحل متعددة لرصد التغيرات اللونية بدقة عالية. وخلال أول 24 ساعة فقط، ظهرت أكبر التحولات، حيث تغير اللون بشكل واضح من الأخضر المتوسط إلى درجات تميل للنحاس والبرتقالي في الرطوبة العالية، بينما أصبح أكثر زرقة في الأجواء الجافة.
المفاجأة أن النحل الأكبر سنا أظهر تغيرا لونيا أكبر من الأصغر سنا، ما يشير إلى أن العمر والبنية الخارجية يلعبان دورا مهما في هذه العملية.
وبالتوازي مع التجارب المخبرية، استعان الباحثون بمئات العلماء عبر تطبيق iNaturalist، حيث تم جمع أكثر من 1000 صورة لنحل من بيئات طبيعية تمتد من الساحل الغربي للولايات المتحدة حتى المكسيك. وأكدت هذه الصور أن التغيرات اللونية تحدث بالفعل في الطبيعة، وليست مجرد نتيجة تجارب مخبرية.
ويرجّح العلماء أن سبب هذا التغير يعود إلى امتصاص الهيكل الخارجي للنحلة للرطوبة المحيطة، ما يؤدي إلى تغيّر في بنيته المجهرية الدقيقة. هذا التغير ينعكس بدوره على طريقة تفاعل السطح مع الضوء، وبالتالي يختلف اللون الظاهري للنحلة بشكل ملحوظ.
ومع ذلك، لا يزال غير واضح ما إذا كانت هذه الظاهرة تمنح النحل أي فوائد حيوية، مثل تحسين التمويه ضد المفترسات، أو تعزيز التواصل بين الأفراد، أو المساعدة في تنظيم درجة الحرارة داخل الجسم، وهو ما يتطلب مزيداً من الدراسات المستقبلية لفهمه بدقة.
الدراسة التي نُشرت في مجلة Letters in Biology تفتح الباب أمام تساؤلات أوسع حول تأثير المناخ على الكائنات الحية الدقيقة، وكيف يمكن لتغيرات بسيطة في البيئة أن تعيد تشكيل سلوك وألوان الكائنات أمام أعيننا.
