غاب نهر كولورادو لخمسة ملايين سنة عن السجل الجيولوجي، ثم عاد ليظهر من جديد كأحد أهم الأنهار التي شكّلت تضاريس الغرب الأميركي، ويُعدّ النهر اليوم شرياناً مائياً حيوياً يمتد عبر مئات الكيلومترات، لكن تاريخه القديم ظلّ لغزاً حيّر العلماء لعقود طويلة. كيف يمكن لنهر بهذا الحجم أن يختفي تقريباً من السجل الجيولوجي، ثم يعود ليحفر واحداً من أعظم المعالم الطبيعية في العالم مثل جراند كانيون؟
يُعدّ نهر كولورادو من أبرز الأنهار في الولايات المتحدة وأكثرها تأثيراً في تشكيل تضاريس الجنوب الغربي. لا تقتصر أهميته على كونه معلماً طبيعياً فريداً، بل يمتد تأثيره ليشمل الجوانب البيئية والاقتصادية والثقافية، إذ تعتمد عليه ملايين الكائنات الحية، كما يوفّر المياه لنحو 36 مليون إنسان. وعلى الرغم من هذا الحضور القوي في الحاضر، فإن تاريخ النهر القديم ظل يحمل لغزاً حيّر العلماء لعقود طويلة.
يمتد نهر كولورادو اليوم لمسافة تقارب 2330 كيلومتراً، ما يجعله من أطول أنهار الولايات المتحدة، ويتغذى من شبكة واسعة من الروافد التي تشكّل حوضه المائي الكبير. وقد لعب دوراً محورياً في نحت معالم طبيعية مذهلة، أبرزها جراند كانيون، أحد أشهر الأخاديد في العالم. لكن المفارقة أن السجل الجيولوجي للنهر يُظهر فجوة زمنية غامضة تمتد لنحو خمسة ملايين سنة، حيث اختفت آثاره تقريباً بين مرحلتين معروفتين من تاريخه.
تشير الأدلة إلى أن نهر كولورادو كان موجوداً في غرب ولاية كولورادو قبل نحو 11 مليون سنة، كما تؤكد بيانات أخرى أنه بدأ بالخروج عبر جراند كانيون قبل حوالي 5.6 ملايين سنة. غير أن الفترة الواقعة بين هذين الحدثين بقيت غير واضحة، ما أثار تساؤلات عديدة حول مسار النهر وكيفية تطوره خلال تلك الحقبة.
دراسة حديثة نُشرت في مجلة "ساينس" قدّمت تفسيراً جديداً لهذا اللغز. فقد رجّح الباحثون أن النهر لم يختفِ فعلياً، بل كان يتدفق نحو بحيرة داخلية قديمة تقع شرق جراند كانيون، في منطقة تُعرف اليوم بأراضي قبيلة نافاجو. هذه البحيرة، التي تُعرف باسم بحيرة بيداهوتشي، كانت بمثابة خزان ضخم تجمعت فيه مياه النهر ورواسبه لعدة ملايين من السنين، قبل أن يحدث تحول كبير في مساره.
ومع امتلاء البحيرة، يُعتقد أنها فاضت في نهاية المطاف، ما أدى إلى تدفق المياه باتجاه جراند كانيون. هذا الحدث شكّل نقطة تحول رئيسية، إذ بدأ النهر منذ ذلك الحين بالتحول إلى نظام نهري واسع النطاق يربط بين المناطق الداخلية للقارة وخليج كاليفورنيا. ويُنظر إلى هذه المرحلة على أنها "ولادة" نهر كولورادو بالشكل الذي نعرفه اليوم.
اعتمدت الدراسة على تحليل دقيق لعينات من الحجر الرملي، إضافة إلى أدلة أحفورية مثل بقايا الأسماك. وقد أظهرت النتائج أن النظام البيئي في حوض النهر بدأ يتكامل خلال تلك الفترة، مع انتقال الكائنات الحية عبر مجرى مائي متصل. كما ساعدت هذه الأدلة في سد الفجوة الزمنية التي حيّرت العلماء، وقدّمت صورة أوضح عن تطور النهر عبر العصور.
ومن بين أهم التقنيات المستخدمة في هذا البحث، تحليل بلورات الزركون، وهي معادن دقيقة تتشكل في الصخور النارية وتُعد سجلاً زمنياً موثوقاً. إذ يمكن من خلال دراسة نسب نظائر اليورانيوم والرصاص داخل هذه البلورات تحديد عمرها ومصدرها بدقة. وقد سمحت هذه التقنية للعلماء بتتبع مسار الرواسب التي حملها النهر، وربطها بمناطق مختلفة عبر الحوض.
أظهرت النتائج أن رواسب تعود إلى نحو 6.6 ملايين سنة في بحيرة بيداهوتشي تحمل بصمة جيولوجية تتطابق مع رواسب معروفة لنهر كولورادو في مناطق أخرى. هذا التطابق يشير بقوة إلى أن النهر كان يغذي تلك البحيرة قبل أن يغيّر مساره. كما كشفت الطبقات الصخرية عن تموجات تدل على تدفق مياه قوية، إضافة إلى وجود أحافير لأسماك كانت تعيش في بيئات مائية سريعة الجريان.
إلى جانب ذلك، تناولت الدراسة دور العوامل الجيولوجية الأخرى في تشكيل مسار النهر، مثل التآكل الرأسي وتكوّن القنوات الكارستية داخل الصخور. كما أشارت إلى أن عبور النهر لمنطقة مرتفعة تُعرف باسم قوس كايباب كان من التحديات الجغرافية المهمة، وقد يكون فيضان البحيرة هو العامل الحاسم الذي سمح للنهر بتجاوز هذه العقبة.
وقال عالم الجيولوجيا في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجلوس، جون هي، إن هذه المرحلة يمكن اعتبارها بمثابة "ولادة" نهر كولورادو بالشكل الذي نعرفه اليوم. وأوضح أن الأنهار لا تقتصر على نقل المياه فقط، بل تنقل أيضاً الرواسب عبر القارات، ما يجعلها عناصر تربط النظم البيئية ببعضها البعض. وأضاف أن وصول النهر إلى الحوض ربما أدى إلى تغييرات واسعة في النظام البيئي في المنطقة بأكملها.
وأشار الباحثون إلى أن النتائج اعتمدت على تحليل عينات من الحجر الرملي، إلى جانب أدلة أحفورية مثل بقايا الأسماك، ما يدل على أن الحياة المائية بدأت تصبح جزءاً من نظام بيئي مترابط داخل حوض نهر كولورادو خلال تلك الفترة المفقودة من تاريخه الجيولوجي.
وأكدت الدراسات أن تكوّن جراند كانيون لم يحدث دفعة واحدة، بل جرى عبر مراحل طويلة ومعقدة من التآكل والنحت الجيولوجي. ولا يزال دور نهر كولورادو في هذه العملية محل نقاش علمي، سواء من حيث توقيت تأثيره أو مدى مساهمته في تشكيل الوادي.
وقال جون دوغلاس، الجيولوجي في كلية بارادايس فالي المجتمعية، إن العلماء طرحوا أكثر من اثنتي عشرة فرضية مختلفة لتفسير كيفية تشكّل الوادي ومسار نهر كولورادو عبر الزمن، مما يعكس تعقيد التاريخ الجيولوجي للمنطقة وصعوبة حسم سيناريو واحد نهائي.
وأوضح الباحث رايان كرو، من هيئة المسح الجيولوجي الأمريكية، أن أحد أبرز العوائق الطبيعية التي واجهت مسار النهر القديم كان ما يُعرف بـ "قوس كايباب"، وهو مرتفع جيولوجي كبير في شمال أريزونا وجنوب يوتا.
وأضاف أن إحدى أكثر الفرضيات ترجيحاً حالياً هي أن فيضان بحيرة قديمة ساعد النهر على تجاوز هذه العقبة والاندفاع باتجاه جراند كانيون.
وبيّن كرو أن عمليات جيولوجية أخرى ربما لعبت دوراً إضافياً في تشكيل مجرى النهر، مثل التآكل الرأسي داخل الصخور وتكوّن قنوات طبيعية لنقل المياه تحت السطح. وأشار إلى أن أجزاء من النهر قد تكون تشكّلت في أوقات مختلفة، حيث تطورت بعض المقاطع حديثاً بينما تعمقت أخرى تدريجياً على مدى ملايين السنين.
وأضاف أن هذه الدراسة بدأت عندما التقى عدد من الباحثين أثناء أعمال ميدانية لدراسة رواسب بحيرة قديمة تُعرف باسم بحيرة بيداهوتشي، والتي تقع على أراضي أمة نافاجو. وأوضح أن معظم رواسب هذه البحيرة تآكلت بمرور الزمن، ما جعل من الصعب تحديد حجمها أو مصدر المياه التي كانت تغذيها.
ولفهم مصدر تلك الرواسب، لجأ العلماء إلى تحليل بلورات الزركون الموجودة في الحجر الرملي. وتُعد هذه البلورات سجلاً جيولوجياً دقيقاً لأنها تحتفظ بتركيبها الكيميائي عبر الزمن، ما يسمح بتحديد عمرها ومصدرها بدقة عالية.
وأشار الباحثون إلى أن تقنية “التأريخ الجيولوجي للزركون الرسوبي” تعتمد على قياس نسب اليورانيوم والرصاص داخل البلورات باستخدام تقنيات دقيقة، ما يساعد في بناء ما يُعرف بالبصمة الرسوبية، وهي طريقة لتتبع مصدر الرواسب وتاريخ انتقالها.
وأوضح العلماء أن بلورات الزركون تُعد من أقدم المواد على سطح الأرض، ويمكن اعتبارها "خزائن زمنية صغيرة" تحفظ تاريخ الصخور التي خرجت منها، وبالتالي تساعد في إعادة بناء تاريخ الأنهار القديمة ومساراتها.
وأضافوا أن تحليل هذه البصمات كشف عن تطابق واضح بين رواسب بحيرة بيداهوتشي ورواسب معروفة لنهر كولورادو، ما يشير إلى أن النهر كان يغذي تلك البحيرة قبل أن يغير مساره لاحقاً.
وبيّن العلماء أن الطبقات الصخرية في تلك الفترة تُظهر علامات تموج واضحة تدل على تدفق مياه قوية، إلى جانب العثور على أحافير لأسماك كانت تعيش في بيئات مائية سريعة الجريان، ما يدعم فرضية وجود نهر نشط في تلك المرحلة.
واختتم الباحثون بالإشارة إلى أن هذه الأدلة مجتمعة تشير إلى أن نهر كولورادو كان جزءاً أساسياً من النظام المائي الذي غيّر طبيعة المنطقة، وأن تحوله إلى مجرى متصل واسع النطاق كان خطوة حاسمة في تشكيل المشهد الطبيعي الحالي، بما في ذلك جراند كانيون.
