لغز يتحدى المستحيل.. كيف نجت هذه الأشجار من قنبلة هيروشيما؟

حين أُلقيت القنبلة الذرية على هيروشيما وناغازاكي عام 1945، وبينما تحولت مساحات واسعة إلى رماد، تمكنت أنواع محددة من الأشجار، مثل الجنكة بيلوبا والهاكبيري الياباني، من النجاة بطريقة أثارت دهشة العلماء حتى اليوم.

هذه الأشجار، التي تُعرف باسم "هيباكوجوموكو"، لم تكتفِ بالبقاء، بل بدأت بالنمو مجدداً خلال فترة قصيرة بشكل غير متوقع، متحدية الظروف القاسية من حرارة هائلة وإشعاع قاتل.

ورغم عقود من البحث، لا يزال سر هذا الصمود الاستثنائي يثير تساؤلات علمية عميقة حول قدرة بعض الكائنات الحية على مقاومة الكوارث النووية، وما إذا كان الأمر مرتبطاً بخصائص جينية فطرية أو آليات خفية للبقاء داخل خلاياها.

خلقت الانفجارات بيئةً شبه مستحيلة للحياة، حيث تجاوزت درجات الحرارة 3000 درجة مئوية، وبلغت مستويات الإشعاع حدوداً قاتلة. ومع ذلك، وعلى نحو غير متوقع، تمكنت بعض النباتات مثل الجنكة بيلوبا والهاكبيري الياباني من الصمود والتعافي. ويعمل الباحثون حالياً على فهم الكيفية التي استطاعت بها هذه الأنواع النجاة من تلك الكارثة، في وقت كان يُعتقد فيه سابقاً أن عودة الحياة النباتية ستستغرق عقوداً طويلة.

وتشير دراسة جديدة نُشرت في مجلة التقدم في الفيزياء الحيوية والبيولوجيا الجزيئية إلى أن مفتاح بقاء الأشجار قد لا يكون قدرتها على التطور عبر الأجيال، كما رأينا في أماكن مثل تشيرنوبيل، بل استراتيجيات البقاء الموجودة مسبقا.

ووفقاً للدراسة فإن تفسير بقاء هذه الأشجار قد يعود إلى خصائص وراثية متقدمة، تشمل أنظمة فعّالة لإصلاح الحمض النووي وقدرات بيولوجية واقية تساعدها على التعامل مع الإجهاد الشديد. هذه السمات لم تكتسبها الأشجار نتيجة التطور بعد الكارثة، بل كانت موجودة مسبقاً ضمن بنيتها الجينية.

واللافت أن التوقعات العلمية في ذلك الوقت كانت تشير إلى أن عودة الحياة النباتية إلى هيروشيما قد تستغرق عقوداً طويلة، إلا أن الواقع جاء مخالفاً تماماً، إذ بدأت الأعشاب وبعض الأشجار بالظهور مجدداً خلال أشهر قليلة فقط. هذا التعافي السريع أعاد تشكيل فهم العلماء لقدرة النظم البيئية على الاستجابة للصدمة.

ويرى الباحثون أن سر بقاء هذه الكائنات لا يرتبط فقط بالتكيف مع الإشعاع، بل بما يُعرف بـ"المرونة الفطرية"، أي امتلاكها منذ البداية آليات داخلية تمكّنها من تحمل الظروف القاسية دون الحاجة إلى تطور طويل الأمد.

وقد أوضح الباحثون أن القنابل الذرية التي أُلقيت على هيروشيما وناغازاكي خلقت بيئة فريدة من نوعها من الإشعاع المؤين الحاد وعالي الجرعة، وهو ما يختلف جذرياً عن حالات التلوث المزمن منخفض الجرعة كما في مناطق أخرى مثل تشيرنوبيل وفوكوشيما.

وتكمن أهمية هذه الظاهرة في أنها تُظهر أن بعض الكائنات الحية قادرة على تحمل صدمات بيئية هائلة لم يكن يُعتقد سابقاً أنها قابلة للبقاء. ومن هنا، بدأت هذه الأشجار تُدرس اليوم ليس فقط كرموز تاريخية، بل كعينات بيولوجية قد تحمل مفاتيح لفهم آليات مقاومة الإشعاع، وفقا لـ "dailygalaxy".

ويأمل العلماء، من خلال تحليل الحمض النووي لهذه الأشجار، في الكشف عن الجينات والآليات التي ساعدتها على الصمود، ما قد يفتح الباب أمام تطبيقات مستقبلية في مجالات البيئة والطب الحيوي وفهم قدرة الحياة على التكيف مع الكوارث الشديدة.

وفي ظل التحديات البيئية المتزايدة التي يواجهها العالم اليوم، يرى الباحثون أن دراسة هذه الحالة الاستثنائية قد توفر رؤى مهمة حول كيفية تعزيز مرونة النظم الطبيعية في المستقبل، وحماية الحياة من آثار الكوارث المحتملة.